موقف المانيا النازية من المسألة الآشورية


وليم أشعيا 


بعد انتهاء فترة الانتداب البريطاني واعلان استقلال العراق وقبوله عضواً في عصبة الامم في 3 / تشرين أول /1932 ( عصبة الامم هي منظمة دولية انشأتها في 28 / نيسان / 1919 الدول الموقعة على معاهدة فرساي ، غايتها احياء روح التفاهم والتعاون بين الامم وضمان السلام والامن وكان مركزها جنيف واستمرت بالعمل حتى الأول من حزيران /1946 لتحل محلها منظمة الامم المتحدة ) ،

بدأت المسألة الآشورية بالغليان وأصبحت تتصدر معظم اجتماعات مجلس عصبة الامم في ذلك الوقت لكون الآشوريين أحد الأطراف المشاركة في الحرب الكونية الاولى الى جانب روسيا وبريطانيا ضد تركيا والمانيا ، وكان دخولهم الحرب الى جانب الحلفاء(روسيا وبريطانيا) ، قد جلب عليهم سلسلة من الكوارث ولعلها كانت اقسى الفترات التي مر بها شعبنا ، ففقد على إثرها معظم أراضيه ،

وكان للبريطانيين والبعثات التبشيرية الغربية الدور الكبير في دفع الآشوريين لدخول الحرب المدمرة وكان الآشوريون يأملون بدخولهم الحرب التخلص من الاضطهاد القومي والديني الذي عانوا منه من  قبل جيرانهم لا سيما من العثمانيين ،

ولكن كل تلك الاحلام ذهبت ادراج الرياح عندما لم يفي الحلفاء بوعودهم لأبناء شعبنا الذي قدم أعداداً هائلة من قوافل الشهداء في الحرب واستشهد العدد الآخر أثناء المسيرة الرهيبة من مناطق هكاري (حالياً جنوب شرق تركيا ) التي كانت جزءا من اراضيهم الى إيران ومن ثم الى العراق حيث المجاعة والامراض وهجمات اعدائهم التقليديين ،

وكان البريطانيون قد وعدوا الآشوريين في حينها بمنحهم حقوقهم بعد انتهاء الحرب باعتبارهم احد الحلفاء المشاركين فعلياً في دحر دول المحور ، ولكن وبعد انتهاء الحرب وكعادة البريطانيون اداروا لهم ظهورهم واخذوا يماطلون في تحقيق تلك الوعود ، ليبدأ سيناريو الخيانة البريطانية للآشوريين في إنهاء انتدابها المفاجيء على العراق والتخطيط لمذبحة سميل التي وقعت احداثها في بداية شهر آب / 1933 ووصلت ذروتها في السابع من آب في ذلك العام ، ونفذت بريطانيا المذبحة بواسطة عملائها في الحكومة الملكية العراقية آنذاك ومن خلال بعض الضباط الكبار في الجيش العراقي أمثال بكر صدقي الذي ارتبط اسمه باحداث الابادة الجماعية التي نفذت في قصبة سميل ضد الآشوريين العزل وكان بكر صدقي قد أشرف على حملة الابادة تلك بطريقة غير انسانية وبعيدة كل البعد عن المعايير العسكرية عندما أمر بقتل المدنيين من النساء والاطفال الرضع والشيوخ من الذين كانوا يسكنون منطقة سميل القريبة من دهوك

 

  وحول بكر صدقي تذكر الدكتورة رجاء حسين في كتابها (تأسيس الجيش العراقي وتطور دوره السياسي  للفترة بين 1921-1941) ، بأن بكر صدقي كان قد تم استخدامه عميلاً في الاستخبارات التابعة للقوات العسكرية البريطانية في المنطقة المتنازع عليها بين العراق وتركيا بين عامي (1919-1920) حسب الوثيقة (94) ، ومنح رتبة ملازم في الجيش العراقي في كانون ثاني /1921 بناءً على توصية من هيئة الاركان البريطانية حسب الوثيقة (95) ، واثناء هذه الفترة تحديداً بدأت دبلوماسية المانيا النازية تلعب دورها في العراق مباشرة بعد استلام أدولف هتلر مقاليد السلطة في المانيا عام 1933 ،

 وتجلى ذلك عملياً بتعيين الدكتور فريتز غروبا سفيراً لالمانيا في بغداد وكان غروبا دبلوماسياً نشطاً يتقن التحدث باللغات العربية والفارسية والتركية بطلاقة وقد تاثر العراقيون كثيراً بشخصية السفير الالماني وزوجته التي لم تكن أقل منه مجاملة وتميزت باللياقة الدبلوماسية في علاقاتها مع مختلف طبقات المجتمع العراقي وبذلك تمكن السفير من اقامة علاقات ودية متينة خاصة بعد نيل العراق استقلاله ،

 وكانت هناك عدد من القضايا التي صب السفير الالماني اهتمامه عليها لنشر نفوذ بلاده في العراق وفعلاً استخدمت السفارة الالمانية عدة قنوات لكسب محبة الشعب العراقي وبعض الزعماء والمتطرفين وكانت إحدى تلك القنوات هي التدخل لدى عصبة الامم لغرض عدم التوصل الى أي حل عادل يضمن حقوق الشعب الآشوري ،

وكان واضحاً موقف الشعبة الشرقية في وزارة الخارجية الالمانية من خلال حرص المانيا على عدم توصل الاطراف المعنية إلى اتفاق حول المسألة الآشورية في أروقة عصبة الامم وعدم احراج الحكومة العراقية ، حيث قام السفير الالماني بكتابة برقية بالتضامن مع مراسل الشعبة الشرقية في وزارة الخارجية الالمانية في بغداد الدكتور بريوفز الى وزارة الخارجية الالمانية في برلين ذكرا فيها بأن الهدوء لن يعود الى شمال العراق ما لم يستبعد جميع الاشوريين الحانقين على العراق في تلك البلاد وتجنب دخول عصبة الامم في القضية وتجنب الاصرار على معاقبة المسؤولين العراقيين عن مذابح سميل  1933 ،

وقد قدم كل من الدكتور غروبا والدكتور بريوفز نصيحة الى الحكومة الألمانية للمساهمة الى التوصل الى حلول مرضية للحكومة العراقية وقد استجابت وزارة الخارجية الالمانية لتلك النصيحة وكان الوفد الالماني لدى عصبة الامم متفهماً للقضية بالشكل الذي عرضه المسؤوليين الالمانيين ،

 ونظراً للنفوذ الالماني في ذلك الوقت فقد اقتنعت عصبة الامم بفكرة نبذ الوقائع الماضية ذات العلاقة بالتحقيق ومحاسبة المسؤوليين العراقيين عن عمليات الابادة الجماعية التي مورست ضد الاشوريين أثناء مذابح سميل 1933 ، وأصبحت عصبة الامم أكثر ميلاً لحل المسألة الآشورية من خلال إيجاد بلد آخر لاسكانهم فيه ضاربة عرض الحائط أبسط مقومات حقوق الانسان والمصداقية المهنية التي تأسست بموجبها العصبة ،

وكان هذا التحول مثار فرح وسعادة للحكومة العراقية وأمرت على إثرها بترفيع الضابط المسؤول بكر صدقي عن أول إبادة منظمة تقوم بتنفيذها الدولة العراقية عام 1933 إلى رتبة لواء ، وقام مجلس عصبة الامم بتشكيل لجنة لدراسة قضية اسكان الاشوريين مقابل الصمت المطبق للمجتمع الدولى ،

 وبالفعل صدر عام 1935 مشروع تبنته العصبة تحت عنوان(( اسكان الآشوريين كعمل انساني )) والذي هو الآخر لم يطبق بسبب تكاليفه المالية الضخمة والذي تم رفضه أيضاً من قبل القيادات الآشورية تجنباً لاستغلال شعبنا مرة اخرى ورغبة الآشوريين في البقاء في بلدهم الأصلي العراق ،

وهكذا وبسبب الخيانة البريطانية والمصالح الالمانية في العراق والموقف الالماني المعادى للآشوريين بسبب موقفهم في الحرب الكونية الاولى الى جانب الحلفاء ضد المانيا وتركيا ، كل ذلك أدى الى ضياع الحقوق وسوف لا نبالغ إذا ما قلنا وللتأريخ أنه لم يتعرض أي شعب في منطقتنا لمثل تلك المؤامرات التي حاكتها ونفذتها أقوى دبلوماسيتين في العالم خلال فترة العقد الثالث من القرن الماضي متمثلة في بريطانيا والمانيا ، وإن كان الآشوريون أولى ضحايا تقاطع المصالح الاستعمارية في العراق إلا أن الشعب العراقي عموماً كان قد دفع ثمن ذلك غالياً بقبوله تغلغل الافكار النازية الى بعض القادة العسكريين مما أدى الى حصول محاولات جدية لربط العراق بموارده النفطية تحت خدمة الآلة العسكرية الالمانية بقيادة هتلر مما كان له بلا شك تأثيراً كبيراً في تحديد مسيرة الحرب الكونية الثانية لكون العراق قريباً من الاتحاد السوفيتي سابقاً  من الناحيتين الاستراتيجية واللوجستية  ومما يجدر ذكره بأن الالوية العسكرية الاشورية (الليفي) كانت قد لعبت دوراً مهماً في إفشال ذلك المخطط .

Created by Osidesign Copyright © 2008 AGC Media. All Rights Reserved