Home

English

بيانات المؤتمر

ܐܫܘܪܝܐ

Archive

اتصل بنا

جريدة آشوريون

 

مفهـوم الوحـدة القوميـة

 

يبقى موضوع الوحدة القومية في صدارة الأمور التي تشغل الأنسان الآشوري, ولكثرة الحديث عنه وأختلاف وجهات النظر لابد وان نعطي للوحدة على الصعيد القومي تعريفها الصحيح. فكلما تناولنا هذا الموضوع يجعلنا على احتكاك تام مع الشأن القومي وتزداد وضوحآ القضية وايجاد السبل لأدراكها وفهمها بشكلها المتكامل.

في الوقت الذي يولي الجميع اهمية قصوى لهذا الموضوع لابد وان ندخل في تفاصيله على أختلاف اشكاله. فمن غير المعقول ان نتخبط في مسالة وحدة الأمة قوميا لكونها أساسا امة واحدة ولا تحتاج الى ايجاد وسائل معينة لتوحيدها, أما ما نراه هذه الأيام من محاولات تفريخ أمم جديدة في جسد الأمة الآشورية ليست الا محاولات آنية تنصب في مصلحة جهات وأفراد معينين لم يكن لغالبيتهم اي نشاط قومي ملحوض وهم من قوميي الزمن الرديء والمستقبل القريب كفيل لفضح كل الممارسات التي تؤدي الى شق الصف القومي الآشوري, وكما هو مألوف ويشهد له التاريخ عندما يرتقي الواقع الى مستوى الحقيقة دائما يحاول طمسها وتشويهها ولكن الحقيقة أزلية وتسير في مستوى معين وبخط مستقيم بعكس الواقع, فبزوال أسبابه ينحدر الى الأسفل لتظهر الحقيقة ناصعة كما هي. والملفت للنظر دائما هوعندما يبدأ ذلك الواقع بالتغيير يجرف معه كل من اعتمد عليه ليأخذ حيزا في صفحات التاريخ المظلمة كي تستفاد من تجربته الأجيال القادمة.                                                                              

الوحدة بشكلها العاطفي اليوم هي الأكثر شيوعا بين أبناء امتنا الآشورية تولدها مشاعر خيبة الأمل لضعفنا وتخلفنا ولكبر المسافة بيننا وبين العالم المتحضر والمتقدم في كافة المجالات وايضا ينطوي عليها مشاعر الخوف من المستقبل المجهول الذي ينتظر ابنائنا وأجيالنا القادمة. لذلك عندما تكون العاطفة بمفردها الحافز للوحدة في ظل غياب العقل والفكر الخلاب حتما سيكون مصيرها الفشل ومزيد من الأحباط وفقدان الأمل والضياع. أن التحالف الأضطراري لأحزاب سياسية فرضتها ظروف آنية مرحلية وهدوء تراشق خطابات التخوين والعمالة بينها لا يمكن حسبانه بأي شكل من الأشكال في أطار الوحدة الحقيقية, كما ان مواعظ رجال الدين المقرونة بالعاطفة من على منابر الكنائس لم تكن يوما دعوة حقيقية أو خطوة جريئة في مسار الوحدة المرجوة بقدر ما هي دغدغة لمشاعر المؤمنين, وقد سئمنا من هكذا تصرفات فقد اكل الدهرعليها وشرب بالرغم من أنها لازالت تلعب دورا مؤثرا في أوساط البسطاء من أبناء امتنا الآشورية على أختلاف انتماءاتهم الكنسية وكانت حافزا لعب دورا سلبيا في فقدان الأمل بتحقيق الوحدة على كافة الأصعدة لا بل فقدت الوحدة قيمتها من جراء هذه الممارسات اللامسؤولة في هذا الزمن الذي بدأت أركان القضية القومية الآشورية بالتصدع والأنهيار.                                 

اذآ,, ما هي الوحدة القومية بمفهومها الصحيح؟                                                               

على الصعيد الكنسي, كلنا على دراية تامة بتاريخ كنيسة المشرق التي كانت واحدة بكل جوانبها منذ تاسيسها على يد مار بطرس في ( ساليق وقطيسفون) الذي تتلمذ على يده ركني كنيسة المشرق مار أدي ومار ماري, وقد توحدت كافة أبرشياتها تحت قيادة أسقف المدائن مار بابا بر جاجي ( فافا ) 247-326م ولكن الصراع الذي نشب نتيجة الأجتهاد الفكري واللاهوتي لبعض الأكليروس فيها يضاف اليه تدخل الكنيسة الغربية في محاولة لأحتوائها وبسط نفوذها على المنطقة كان بداية لمعاناة ميريرة لم تشهدها أمم أخرى عبر التاريخ, فقد شكل مجمع نيقيا أول تهديد لتقسيم كنيسة المشرق الى طوائق عدة كانت بدايته أنشقاق أتباع مار يعقوب البرادعي في مجمع القستنطينية الخامس عام ( 553م ) الذي تأسست فيه الكنيسة اليعقوبية, ثم أعقبت ذلك محاولات روما أبتداءا من عام ( 1551م ) التي أستمرت الى اكثر من ثلاثة قرون متتالية تمخض عن ذلك  ولادة فرع جديد تابع لكنيسة روما تحت أسم كنيسة بابل على الكلدان في عام ( 1847م ), وكان أخر أنشقاق في كنيسة المشرق الأم عام ( 1964م ) عندما أنشطرت الى قسمين ( كنيسة المشرق الآشورية والكنيسة الشرقية القديمة), وبرأيي المتواضع أعتبر حركة الأسقف مار باوي سورو الأخيرة محاولة جديدة لشق كنيسة المشرق الآشورية ولكنها لحسن الحظ لم تفلح على الأقل في وقتنا الحاضر.

تعتبر الأنشقاقات الكنسية التي ذكرناها أعلاه بأختصار فترات مظلمة في تاريخ كنيسة المشرق والأمة الآشورية وأحد أهم العوامل الرئيسية لكل ما لحق بهذه الأمة من ويلات بسبب القطيعة بين اتباع هذه الكنائس المختلفة الذي أدى الى ضعف وتعثر المسيرة القومية الآشورية فتآتت الفرصة للغرباء للأستيلاء على اراضي الآشوريين التاريخية وتعدى ذلك الى تدخلاتهم المبيتة في شؤوننا الداخلية لحقن روح الكراهية والفرقة بين أبناء هذه الكنائس مما حول الأمة الآشورية الى أوصال متقطعة هنا وهناك لا حول لها ولا قوة تترنح تحت أزماتها الداخلية وتعاني المآسي من جراء الهجمات الشرسة التي لحقت بهم من قبل المحتلين لأرضهم التأريخية عبر العصور والى يومنا هذا.

اليوم ونحن لازلنا نعاني من جراء التشتت والضياع الذي سببه الفرقة والقطيعة وتداعياتها, ألم يحن الوقت لكي يولي الأكليروس في مختلف هذه الكنائس أهتماما كبيرا لتوحيد كنيسة المشرق لتعود الى مجدها الأول ؟ لا أعتقد , بالرغم من بعض المحاولات الضعيفة والغير مدروسة بين فترة وأخرى الا اننا لم نشهد البداية الحقيقية لوحدة الكنيسة ( كنيسة المشرق ), نأمل أن تكون مقولة الرب يسوع المسيح ( اذا أجتمع أثنان بمحبة فأنا ثالثهم, بما معناه انه غير موجود في أنفاق الفرقة والكراهية ) حافزا للبدء في مد جسور المحبة الحقيقية وليس الخطابية بين مختلف كنائسنا لأنهاء كم هائل من معاناتنا وأعود أذكر بمقولة الرب ( طوبى لصانعي السلام فأبناء الله يدعون ).

أما على الصعيد السياسي فكما ذكرت أعلاه هناك فرق كبير بين الوحدة القومية والتحالفات الحزبية, فالأخيرة كثيرا ما تحدث بسبب ظروف معينة تمليها عليهم مرحلة أو أخرى وبزوال مؤثراتها نلاحظ نهاية لهذه التحالفات لتليها أصطفافات حديثة بحكم المصالح الحزبية وظروف المرحلة الجديدة وأحداثها ترافقها خطابات وحدوية تغلب عليها صفة المصلحة القومية ولكنها لا تتعدى حدود الخطاب التسويقي فأنهيار تحالفات واقامة أخرى خير دليل على ذلك. هذه العملية تؤثر بشكل سلبي على مجمل العمل القومي والسياسي وبالتالي تضيع الفرص لبلوغ الحد الأدنى من الحقوق القومية.                           

الوحدة القومية الحقيقية تكمن في وحدة الفكر القومي بكل ما تحمله هذه المفردة من معاني, هذا الفكر المستخلص من قضية أمة موغلة في التاريخ لها امتدادها عبر الاف السنين وصولا الى يومنا هذا. القضية الآشورية التي مرت بعصور مختلفة بالرغم من الترسبات التي حلت عليها من جراء مخلفات الأزمنة المظلمة الا انها بقيت حية وشقت طريقها الوعر الى الأمام لتثبت أصالتها وأصرار ابنائها على البقاء كجزء مهم وبارز بين شعوب المعمورة لا حدود لعطائهم عبر الأزمان وفي كافة مجالات الحياة.        

القضية الآشورية كباقي الأمم الأخرى الحية لها معالمها وخصوصيتها ومقوماتها ولا يمكن ان يفلح اي عمل سواء كان قومي أو سياسي أذا كان مبنيا على جزئياتها بل حتما ستكون نتائجه سلبية وفي أغلب الأحيان سيخلق ذلك منعطف خطير يؤدي الى اضاعة الفرصة المتاحة ويدخلها في صراعات غالبا ما تكون تداعياتها قاسية جدا على المسيرة القومية برمتها. ولهذا يتطلب العمل القومي السياسي وعي وادراك متكامل للقضية الآشورية بكافة جوانبها سواء كان تاريخها أومسيرتها والتجارب التي مرت بها عبر التاريخ أضافة الى فصل تام بين ثوابتها التي تشكل جوهرها الغير قابل للمساس ومتغيراتها  التي تدخل في اطار السياسة حسب ظروف ومتطلبات المرحلة, وبذلك لن تشكل تعددية مناهج وآليات العمل السياسي عائقا في المسيرة القومية طالما هناك أرادة وأصرار مبني على الفكرالقومي وأسسه الحقيقية. فالآشورية ليست تسمية وليدة مرحلة أو حقبة زمنية معينة, بل هي هوية أمة ضاربة جذورها في عمق التاريخ سميت الأرض بها وعرف الله الواحد الأزلى بهذا الأسم في الوقت الذي كانت الكثير من شعوب المعمورة تعيش في ظلام, الآشورية هي أولى حضارات العالم وأحدى أهم أمبراطوريات التاريخ القديم لما قدمته للأنسانية جمعاء من علوم ومعرفة في علم الفضاء والتنجيم والطب والجيش والهندسة والأيمان بوحدوية الله وأزليته وحقوق الأنسان والقانون والتجارة, فعمليات التنقيب أذهلت علماء العصر الحديث بحيث ان هذه الحضارة اليوم تدرس في جامعات العالم تحت مسمى علم الآشوريات, لذلك تعتبر الآشورية أحد أركان وثوابت هويتنا القومية التي لا يمكن المجازفة بها, وكلنا على دراية تامة بأن السنين القليلة الماضية التي شهدت عملية تسييس الآشورية بذريعة توحيد الصف القومي أدت الى تشويه كبير أسقط القضية القومية وأدخل مسيرتها في دهاليز الصراع الطائفي والحزبي والمصلحي فغابت من الساحة السياسية لتصبح جزء من الهوية المسيحية لأبنائها دون أن تحقق الوحدة المزعومة, ولهذا يقع اليوم على عاتق أبنائها الغيورين حمايتها كهوية ومسيرة لها شرعيتها وأستحقاقاتها وهي بألأحرى أمانة حافظ عليها أسلافنا العظماء بدمائهم الطاهرة وعلينا أن نحذو حذوهم لكي تصل كاملة غير مشوهة الى أجيالنا القادمة.                                                                                                    

 

سامي هاويل

سدني/أستراليا   

 

 

Created by Osidesign Copyright © 2008-2009 AGC Media. All Rights Reserved