حقائق منسية حول مذابح الاشوريين في العراق عام 1933!؟



بقلم: يوسف مالك
ترجمها عن الانكليزية : عمانوئيل سلمون
9-8-2006

كانت مناشير عام 1929 الموزعة في كافة انحاء شمال العراق لاقامة المذابح للآشوريين عامة، قد صاغها المسؤولون العراقيون الذين تسلموا المناصب الوزارية عام 1933. ووفقاً لمسؤول الخدمات الخاصة في الموصل فان اكتشاف هذه المناشير في رواندوز وفي الوقت المناسب أدى لانقاذ الموقف الخطير. ولم يكن انقاذ الموقف قد حدث بسبب تدخل المسؤولين المحليين العرب الذين كانوا في عصبة مع اخوتهم في بغداد، بل بفضل فطنة الاكراد انفسهم الذين اخذوا اثر معرفتهم بالأمر، موقفا حازماً ومهدداً في الوقت ذاته. قام السير فرانسيس خلال زيارته للموصل عام 1930 بمقابلة ممثلي مختلف الاطراف في المنطقة. وقد ضمت احدى هذه الفرق كلا من البطريرك مار شمعون والمطران يوسف غنيمة والقس سليمان صائغ والخوري غريغورالارمني ومجيد آغا أحد رؤساء اكراد ميزوري /دهوك/ وأحد اكثر التقدميين الاكراد والذي حاول دائماً كسب صداقة الآشوريين، ورئيس احدى قبائل هيركي. قال مجيد آغا في حديث حول الامور عامة: "ان المسؤولين العرب يحاولون خلق النزاع بيننا وبين الآشوريين". كان الكابتن /هولت/ مترجم المندوب السامي قد تجاوز ترجمة هذه العبارة للسير فرانسيس، وعندما ذكره الحاضرون بها فانه اعتذر للخطأ كانت التحضيرات لاقامة المذابح العامة لكافة المسيحيين في الموصل قد أعدت في اوائل نيسان 1931، وقد أدى تدخل قادة المسيحيين لدى مختلف الجهات ورفع التقارير عن مجرى الاحداث لتجنب الكارثة، كما ان المدرعة الانكليزية التي سارت في مقدمة المسيرة الكبيرة في شوارع الموصل، كان لها فضل كبير ايضاً.

في ايلول 1931، تلقت عصبة الامم انذاراً رسمياً بأن مذابح الاشوريين ما أن يصبحوا تحت رحمة الحكومة العراقية، واقعة لا محالة. واعيد تذكير السير فرانسيس عن السابقة للمذابح، ورغم اعترافه بها قال مؤكداً: " ليس ثمة داع للخوف من رفع الانتداب. ان تأثير بريطانيا في العراق سيكون أعظم مما عليه الآن، كما وسيفسح لي المجال كسفير انكلترا لأخصص متسعاً من الوقت لخدمة مصالح الآشوريين والعمل على منع حدوث ما تخشوه." فلم تقتنع عصبة الامم بصحة تقارير المسؤولين الانكليز حيال العراق، وعارضت بشدة اطلاق سراح انكلترا للتخلي عن واجباتها ومسؤولياتها قبل ان تتأكد العصبة انها لن تصبح الوسيلة لما ادركوا انه سيحدث لا محالة. ولتحطيم كافة العوائق الموضوعة في سبيل العراق، فقد قام السير فرانسيس بادلاءْ تصريحه المشهور في جينيف قائلا:. أما اذا حدث وبرهنت العراق عن عدم جدارتها للثقة الموضوعة فيها، فان المسؤولية الخلقية في هذه الحالة ستقع على عاتق حكومة جلالته البريطانية وليس على عاتق لجنة الانتدابات الدائمة." فانفتح باب العصبة على مصراعيه أمام العراق رغم كافة التحذيرات، وأصبحت، تحت مختلف الذرائع والحجج الباطلة، دولة مستقلة، دون ان تخشى الرقابة حيال حماية الاقليات العراقية وبالأخص الآشوريين منهم. صرح السيد (بيير اورتس) البلجيكي، محقق لجنة الانتدابات الدائمة، في 31 حزيران بما يلي:/انظر نقاط الجلسة العشرين/ كانت العراق قبل اثنتي عشر سنة خلت، معتبرة من بين الدول التي كان وجودها كدولة مستقلة، معترفاً به بشرط وضعها تحت الاشراف المباشر وقيام احدى دول الانتداب على تأدية ذلك. ان عدم منح العراق الاستقلال التام انذاك كان بسبب فقدان البلاد لتلك الروح المتسامحة بحيث كان من المستحيل منحه اياها دون الاعتبار الواعي عن اقدار الاقليات القومية والدينية في المناطق التي ضمت الى البلاد. اما تصريح السير فرانسيس في 30 حزيران 1930 حيال الصلاحيات والنفوذ الذي سيكون لبريطانيا العظمى كالافتراض الضمني عن "المسؤولية الخلقية" لحكومة جلالته على سبيل المثال، فقد كان متضارباً وبنود المعاهدة الانكليزية - العراقية التي لم تأت على ذكر أي من ذاك القبيل. الا أن هذا كان سيتبع فيما بعد وبصورة أوضح وأوفى عبر تصريح وزير الخارجية البريطانية السيد (هندرسن) قائلا:

" وحالما تصبح المعاهدة سارية المفعول فان مسؤولية بريطانيا العظمى لن تكون أعظم أو اقل من مسؤولية أية قوة أخرى."

ولكن ... من يملك حقاً سلطة أعظم ؟ المعاهدة الشكلية الى مجلس النواب ومسجلة في عصبة الامم وتعليق وزير الخارجية عليها ؟ أم التصريح الشفهي في الجلسة السرية أمام لجنة الانتدابات الدائمة من الطرف الاوحد الذي يناصر قضية عرب العراق ؟ اما التعبير بالطرف الاوحد فدقيق للغاية، اذ ان الحكومة البريطانية كانت قد تعهدت تمهيداً للمعاهدة، للعمل بأقصى طاقاتها لضمان قبول العراق في العصبة، وبذلك معيقة تحرك العصبة لادخال ضمانات الحماية عمداً بينما لم يكن من المعقول للافتراض قيام الاعضاء الاخرين في العصبة لأخذ البادرة في هذه المعضلة التي لم تكن تعني رعاياهم بشيء. كان السير هنري دوبس قد شدد في مجلة (التايمز) على وجهة النظر بأن سير الاحداث التي يمكن توقعها في العراق لن تكون على النحو الذي يبرر قبول بريطانيا "بالمسؤولية الخلقية" دون النفوذ التام للتأثير عليها. وقد أكد السير ارنولد هندرسون المندوب السامي المدني في العراق وجهة النظر هذه. كما ان البروفسور (فيزي فيتزجيرالد) عبر عن وجهة نظره امام جمعية /غروتيوس/ قائلا:

"لربما سيكون التنديد بالمعاهدة العراقية - الانكليزية الان اخلافا بالوعد لحلفائنا القوميين العرب، كما ان توقيع المعاهدة أو حتى التمسك بها، فلن تكون سوى اخلافا بالوعد لعصبة الامم وكذلك لحلفائنا الآشوريين المسيحيين الموالين بنفس المساواة." اما قداسته اسقف كانتربيري فقد اعلن ما يلي: انني آمل من الاعماق ان تقوم عصبة الامم بالالحاح الشديد للحصول على اقصى الضمانات الممكنة لحماية الاقليات قبل رفع الانتداب ومنح الحكومة العراقية الاستقلال التام وقد يكون هذا أقل ما يحق لنا لنلح عليه بالنظر الى التضحيات والمآسي التي عانتها هذه الاقليات." وجاء في رسالة الكردينال (بورن) ما يلي:

" يرغب نيافته لاحاطتكم علماً بأن اهتمامه التام منصب على مسألة الاقليات المسيحية في العراق. ويعلم جيداً ان قداسة البابا على معرفة تامة بما يحدث لتلك الاقليات." وعبر كل من اسقف دوبلن والدكتور سكوت ليدجيت وهذا الاخير بالنيابة عن كنائس انكلترا الانجيلية الحرة، عن أملها بقيام العصبة لضمان الكرامة القومية لهؤلاء المسيحيين والاقليات الاخرى. كان الجهاد قد اعلن رسمياً في اوائل آب 1933، وقامت الحكومة العراقية عبر الصحف المحلية بتحريض رجال القبائل العربية ومختلف طبقات السكان للتطوع في العمليات التحضيرية والتوجه نحو الشمال لمقاتلة الآشوريين. فبدأ التجار يزودون المتطوعين بالذخيرة والسلاح حيث قدمت الحكومة العراقية ثنائها لاعمالهم الوطنية وتدفقت الجمال بالمئات للاسهام في عمليات نقل الجيش لتمشيط مناطق الاشوريين. اما الصحف فقد نشرت أكثر من مئتين وثمانين مقالة تدعو للجهاد ضد هؤلاء (الكفار) كانت التعليمات الرسمية قد وجهت لرجال القبائل العرب والاكراد، وتخصيص ليرة انكليزية لرأس كل آشوري يجلب اليهم، وعدم مطالبة الحكومة بتسليم ما سيستولوا عليه من المتاع بينما اعتبرت الذين لا يشاركون في الجهاد خونة نحو دينهم وبلادهم. قيل لنا حينما طلبنا "ضمانات" الحماية، انها وقف على "مسؤولية بريطانيا الخلقية" وتبين اخيراً من خلال العريضة الموجهة الى بريطانيا، ان هذه محطة من قيمة مسؤولياتها الخلقية، ولم يكن مصير الشعب الآشوري الذي كان ما يزال يقوم على خدمة مصالحها، يعنيها بشيء. لم يكن ثمة الآن ما يوقف بكر صدقي قائد العرب الذي دحرته الفرقة (آ) على الحدود، من البدء في عمليات المذابح الجماعية المعدة مسبقاً منذ (قضية الحجارة) في ايار حيث بدأت قوات الشرطة منذ ذلك الحين وبالتحديد منذ 30 حزيران وما بعد، بتجريد الآشوريين من السلاح بناء على اوامر قائم مقام دهوك والعمادية.

في طريق عودته عبر القرى والمستوطنات الآشورية فان انظار بكر صدقي لم تكن تنقطع عن رؤية جثث الرجال والنساء والاطفال الآشوريين ملقية في كل ركن وبيت ومكان. كان الجهاد يعني الابادة للكبيرً والصغيرً، اما ما حدث فقد كان ذلك عيناً. وكان لا بد من تقليل الهول حتى بالنسبة لهؤلاء .. السفاحين، فاخذوا البقية الذين وضعوا اقدارهم تحت رحمة الوعود بالعفو ووضعوهم في شاحنات عسكرية واخذوهم الى الحدود السورية حيث اعدموا هناك بعد هول من التعذيب خلال الطريق كانت الحكومة العراقية قد افادت في بيانها حول تطورات المعارك على الحدود عن مقتل 95 آشوري خلال العمليات العسكرية. ومع ان خسائر الآشوريين لم تتجاوز العشرة، فان البقية - 85 - الآخرين لا بد ان يكونوا قد لاقوا حتفهم تحت تلك الظروف السابقة.

يوم السابع من آب 1933، احتفلت الحكومة العراقية بالمذابح بشكل رسمي ومع هذا فان المذابح لم تكن قد انتهت يوم السابع منه. كانت الحكومة العراقية قد وجهت تعليماتها للآشوريين القاطنين في قرى سد زاري، ماناوي قصر يازدين، منصورية، تشماغور، خرب كولي، داري، سرشوري، كربلي، وبسوريك للمجيء الى سميلي (اكبر قرية آشورية) من اجل حمايتهم من العرب والاكراد. اما الخطة فكانت ترمي نحو حصر منطقة المذابح قدر الامكان وبذلك الحد من انتشار القوات المسلحة على مساحة كبيرة. اما سميلي فكانت لتتألم اكثر على الرغم من وجود حامية من الشرطة فيها وكانت الحامية قد عززت من جديد. ولم يكن مصير اولئك الذين امتنعوا عن المجيء بافضل من مصير سميلي بالذات. ورغم كون كورييه يونان البازي من مؤيدي الحكومة العراقية مهما كان الثمن فقد كان اول من اعدم بالرصاص على عتبة بابه بغض النظر عن الراية البيضاء وحمله سجلاته الثبوتية بين يديه. في احدى غرف منزله كانت تقبع احدى وثمانين جثة من رجال باز قام الجيش العراقي في الثياب العسكرية على قتلهم بالمسدسات والخناجر. واكتشفت جثث جماعات اخرى من الرجال والنساء في الغرف الاخرى من بيت كورييه والبيوت الاخرى من القرية، مشدودين بالحبال واطلقت عليهم نيران الرشاشات.

اما الكهنة فقد لاقوا حتفهم بعد تعذيبهم بابشع الطرق البربرية التي لا يمكن ان يتصورها العقل، ذبحاً كالنعاج بعد وضع عيوبهم في افواههم بينما امر القائد العراقي النساء بالتعري والمسير امامه وارغام زوجة مالك ياقو على توقيع وثيقة تفيد ان النزوح الجماعي والمعركة على الحدود كانت قد اعدت مع السلطات الفرنسية مسبقاً. اما الفتيات الآشوريات ما دون العاشرة من اعمارهن فقد احرقن احياء بعد الاعتداء عليهن. واستمرت المذابح في كافة قرى العمادية وزاخو ودهوك وشيخان واقضية الموصل واتبعوا فيها نفس الوسائل البربرية. اما وحدات المجندين الآشوريين القائمة على حراسة المخيم الانكليزي في (سر عمادية) فقد نقلت في تخبض عاجل الى المطار البريطاني على مقربة من سميلي ومن ثم الى بغداد دون ان يسمحوا لهم معرفة ما كان يجري.كانت الطائرات البريطانية اثناء الاحداث، تحلق فوق مناطق المذابح لتصوير ما كان يحدث دون ان تتدخل في تقديم يد المساعدة بالرغم ان الغالبية منهم كانوا عائلات الآشوريين الذين كانوا ما يزالون يخدمون مصالح بريطانيا في العراق.

كانت السلطات العراقية قد وضعت كافة الاجانب القائمين في لواء الموصل تحت الاقامة الجبرية في مدينة الموصل، بينما كان وزير الداخلية ووزير الدفاع يترقبون في المدينة ذاتها، ورود تقارير الساعة عن سير المذابح في حين كان المسؤولون العسكريون الانكليز في الجيش العراقي على معرفة تامة بما كان يحدث حقا. ومع ان البعض من رجال القبائل العربية والكردية قاموا بنهب الممتلكات الخاصة، فان المسؤولين العرب بمرتبة القائم مقام وما دون، قاموا بالاستيلاء على النقود والممتلكات الثمينة بعد ان تعرضت كافة القرى الآشورية للحرق والتدمير. اما آغات الاكراد في حين كان الخوف قد منعهم من القيام بالرد نظراً للعمليات العسكرية ضدهم بناء على اوامر المندوب السامي آنذاك، الا ان الفرصة الان كانت سانحة حتماً. وعوضاً عن التعرض للقرويين الآشوريين المعزولين في عشوائية الاحداث كما كان من المتوقع، فقد قاموا على حمايتهم خلال المأساة وكان من بين هؤلاء الاغات، الشيخ نوري بريفكاني، احمد آغا الاطروش وقادر آغا العقراوي. كما ان اكراد اربيل لم يتعرضوا للآشوريين بسوء أو حتى استعادة ذكريات الامس القريب. وخلال التحضير للعمليات العسكرية ضد الآشوريين قام عدد من الوزراء العرب بمقابلة الشيخ محمود والشيخ أحمد في الادهمية لدعوتهما في الجهاد والانضمام الى القوات العراقية، الا انهما رفضا ذلك رفضاً قاضعاً.

كان فيصل في هذه الاثناء مشغولاً في جنيف في مهمة اقتراض بضعة ملايين روبية من الحكومة الانكليزية بينما كان السير فرانسيس يصطاد السمك حينما وردته اخبار المذابح. وقد ورد عن فيصل ومن مصدر موثوق مطالبته المجلس الوزاري بالاستقالة حالاً، أو ايقاف المذابح. فكان الرد: ان بامكانه ترك عرش العراق فيما اذا كانت سياسة الوطنيين العراقيين لا تلائمه بأي شكل ما وانه ليس اكثر من مجرد لاجىء الى البلاد. كان فيصل في اخر ايامه قد فقد الهيبة والمكانة نتيجة قبول العراق في عصبة الأمم ولم يكن بميسوره اثر ذلك الاعتماد على الحراب الانكليزية كما كان يفعل في السابق. كانت السفارة الانكليزية رغم معرفتها التامة بمجريات الاحداث في الموصل، قد وضعت البطريرك في ظلمة "ان مراسلاتي اما هي تحت المراقبة أو قيد الحجز لذلك اجدني مرغماًُ لاستعمل الوسائل الغير مباشرة لارسال اخبار الآشوريين الى خارج العراق."

ووردتني، بينما كنت في بيروت البرقية التالية والتي وجهتها في الاول من آب 1933 الى عصبة- الأمم:" الآشوريون عامة في خطر نقطة. ارغام الآشوريون للعبور الى الحدود السورية نقطة. انني موقوف وتحت الاقامة الجبرية في بغداد نقطة. اطلب تدخل عصبة الأمم حالا." ان المذابح التي حدثت بعد ستة ايام من تاريخ البرقية لأمكن تجنبها فيما لو كانت حماية العصبة بذات فائدة حقاً، اذ ان السلطات البريطانية كانت وفي تلك اللحظة قادرة على درئها، ليس من خلال توجيه الجيوش الى الموصل لمواجهة النفير العام العراقي، ولكن ... توجيه وحدات المجندين الآشوريين من بغداد الى الشمال، اذ ان وجودهم في تلك المنطقة لكان كاف بحد ذاته ليتردد الجيش العراقي من الاجهاز على الآشوريين. في 17 آب 1933 وجه البطريرك برقية اخرى الى عصبة الامم: " اعمل المستحيل لتتدخل عصبة الامم في الامر حالا نقطة المذابح عامة، تشمل النساء والاطفال. بعض القبائل الكردية المعروفة والمسلحة من قبل الحكومة العراقية تقوم بها." ومع ان الادلة الواردة في التقارير الاولية كانت تشير ناحية الاكراد وكان لتصريح رئيس الوزراء العراقي الفعال في تلك المرحلة من الاعتقاد بصحتها، الا انها صححت اخيراً في رسالة البطريرك الى عصبة الامم بتاريخ 12 ايلول 1933. كانت البرقيات السابقة الموجهة الى عصبة الامم في 17 آب 1933 قد وجهت في الوقت ذاته الى كل من: صاحب الجلالة الملك جورج. سيادة رئيس جمهورية فرنسا. صاحب الجلالة الملك البرت (بلجيكا). صاحب الجلالة الملكة ويلهلمينا (هولندا). الرئيس موسوليني. الفوهرر ادولف هتلر. صاحب الجلالة الملك هاكون (النرويج) وباستثناء البرقية الاخيرة التي لم تصل الى ملك النرويج، فان البقية كانت قد بلغت ابعادها في 14 آب كانت الاوامر قد وردت بايقاف المذابح بصورة رسمية ومع ذلك فليس بالامكان القول انها اوقفت فعلا. في 16 آب 1933 اقرت الحكومة العراقية قانونا طارئا يقضي بنفي العائلة البطريركية من البلاد. وفي 17 آب ابلغ البطريرك بالقرار الطارئ حيث اقلته طائرة بريطانية صباح يوم الثامن عشر من آب الى قبرص عبر فلسطين برفقة ضابطين آشوريين، قائد المئة مالك هرمز(تخوما) وقائد المئة ياقو ايليا. كانت اوامر النفي مبنية على قانون الطوارئ الذي ينطبق فيما لو طبق نصا، على الملك غازي ملك العراق الجديد الى جانب اكثر من المئة الف نسمة من السكان الذين دخلوا البلاد بعد الحرب العالمية. أما القانون هذا فقد جاء كما يلي: يمكن طرد أي شخص أو عائلة من البلاد لم يكن (يكونوا) من مقيمي العراق ما قبل الحرب عملا بهذا القانون."اما القانون هذا فينافي:

1 - معاهدة لوزان. 2 - الدستور العراقي. 3 - قانون الجنسية العراقية. 4 - ضمانات عصبة الامم.

كان البطريرك قد وصل الى قبرص في 21 آب برفقة والده وشقيقه تيودور وانضممت اليه في 26 منه بسبب طردي من سوريا بعد يومين من وصول نوري السعيد وزير الخارجية العراقية الى بيروت. أما المادة السابعة من الدستور العراقي فتنص على ما يلي: سيضمن القانون، الحماية والحرية الشخصية لكافة سكان العراق، وسيضمن العدالة وعدم التوقيف والسجن أو المعاقبة أو الارغام لتغيير مكان الاقامة أو المطالبة بتقديم الكفالة المالية أو الالزام للخدمة في القوات المسلحة باستثناء ما ينص القانون." كان قانون التجنس العراقي قد جاء الى الوجود في 9 تشرين الاول 1924، أي بعد شهرين وثلاثة ايام من توقيع معاهدة لوزان. وقد نصت المعاهدة حيال سكان دولة العراق الحالية بأنهم بينما كانوا رعايا الحكومة التركية السابقة بحكم الاقامة في المنطقة المسلوخة من تركيا، فقد اصبحوا الآن بحكم الطبع، مواطني الدولة التي ضمت اليها المنطقة يقوم على مقربة من دهوك، تل تاريخي مشهور استشهد عليه الالاف من الآشوريين في العهود السابقة، لتستشهد عليه خلال شهر آب الاف اخرى من الآشوريين كان من بينهم هاول اوديشو الذي نجى من الموت بمعجزة ليخبر عما جرى على هذا التل بالذات من البربرية. وكتب لي احد المراقبين حدث أن كان في (بيجي) آنذاك قائلا:

" في مساء التاسع من آب 1933 قام العمال العرب في شركة النفط العراقية بالهجوم على الآشوريين العاملين في نفس الشركة وأسفر الهجوم على جرح ستة من الآشوريين وفرار البقية للالتجاءْ الى امكنة اخرى لحماية انفسهم. فتدخل رجال الشرطة في الامر والقوا القبض على العرب واخذوهم الى المحكمة في (تكريت) من لواء بغداد حيث اطلق سراحهم في الحال ليحكموا بالسجن على الآشوريين لمدة عشرة ايام. كانت الاشاعات قد انتشرت في اليوم التالي عن هجوم وشيك سيقوم به العرب المسلحين وكانت التعليمات تقضي بعدم ترك أي آشوري على قيد الحياة. فاضطرت الشركة حيال ذلك لوضع الآشوريين في مكان واحد لحمايتهم، ونقل الآشوريين العاملين في نقطة /ك 2/ على بعد خمسة اميال من /بيجي/ الى نفس المكان حيث بلغ عددهم ما يقارب 150 رجلا. ومع ان الاشاعات عن الهجوم الوشيك كانت قد انتشرت بسرعة فائقة، الا انه لم يحدث يوم العاشر من آب. وانتشرت الاشاعات في 11 آب عن قيام العرب العاملين في شركة النفط بالهجوم انفسهم. فاضطر الآشوريون الذين لم يكونوا قد استعدوا لحماية انفسهم، بالالتجاء الى المستودعات الانكليزية. وبالرغم من وجود عدد من رجال الشرطة وحرس الشركة للحماية، الا انهم تركوا مراكزهم حالما اطفئت الانوار حيث قام العمال العرب بشن هجوم مسلح على الآشوريين اسفر عن مقتل احد الآشوريين وجرح اربعة عشر. كان احد العاملين العرب في شركة النفط قد دعى لحرق جثة الآشوري، الا ان المسؤولين الانكليز لم يوافقوا معه. لم تكن الاشاعات عن قيام رجال القبائل العرب بالهجوم قد تلاشت بعد. فقام عشرون من الخيالة العرب بالاستعراض امام الضباط الانكليز على مواجهة مخيم الشركة. فاضطروا، بعد هجوم الحادي عشر من آب لطلب حامية مسلحة حيث عززوا بعشرين شرطي، مسلحين بالرشاشات الخفيفة. في 13 آب كانت الاشاعات عن الهجوم قد تلاشت على نحو ما، الا ان العمال العرب اضربوا عن العمل وطالبوا بطرد كافة الآشوريين من الشركة. فانضم الى المضربين الذين بلغ مجموعهم ما يقارب المئتين ما يقارب هذا العدد، من رجال العشائر العربية. فاتجهوا في مساء ذلك اليوم نحو المخيم لبدء الهجوم رافعين العلم العراقي. فتدخلت الحامية والقت القبض على رئيس العصابة الذي سأل الضابط الانكليزي بغض النظر عن المحاولة. واذ لم يوافق الانكليزي على ذلك فقد رجع المضربون الى المحطة واضرموا النيران باحدى سيارات الشركة. في الساعة التاسعة مساء، اتجهت سيارة مساعد قائد الشرطة نحو المحطة وطلبوا من المضربين عن العمل بالانصراف، فامتنعوا عن ذلك ونهض احدهم وصاح بتحمس متطرف قائلا: لا دين الا دين محمد، وهجم المضربون اثرها على مساعد قائد الشرطة الذي اجاب بالمثل مما اسفر عن مقتل احد العرب وجرح اثنين منهم. كانت شركة النفط العراقية قد وجهت طائراتها الخاصة الى بغداد في 14 آب ورجعت الى (بيجي) وعلى متنها المتصرف وقائد شرطة بغداد، وقاما بمقابلة العمال العرب المضربين حيث ادت لطرد كافة العمال الآشوريين باستثناء العدد القليل العامل في الشؤون المكتبية. كان احد الكلدان (الكاثوليك) قد اصيب خلال هذه الفترة من الاضطرابات، بجروح بالغة ايضاً."

لم يكن تدخل الشرطة الانكليزية في الامر الا نتيجة ضغوط الشركة على الحكومة العراقية بسبب تعرض مصالحها للخطر. ويؤكد صحة هذه الحقيقة، تغاضيها عن اعمال الحكومة العراقية القذرة التي كانت تتبعها حيال الآشوريين في الاماكن الاخرى التي لم يكتشف النفط فيها.في سميلي لوحدها، قامت فرقة من العمال جيء بهم من الموصل، على دفن أكثر من (400) جثة قتيل في ثلاثة خنادق فقط. ولم يكن حتى هذا الدفن الجماعي ليحدث بناء على التصاريح الرسمية للمسؤولين الاداريين - لو لا الشكاوي عن عدم تحمل روائح الجثث التي كانت تنهشها الاوابد في الليل. اما في بغداد والاماكن الاخرى من العراق، فان السلطات العراقية قامت على تجريد وطرد كافة الآشوريين العاملين في تمديد الخطوط الحديدية من اعمالهم، ليقاسوا الفقر والمجاعة كان متصرف الموصل قد أعلم المبشر (جون . ب . بانفيل) في ايار، ان خطة بكر صدقي المنبثقة من بغداد كفيلة بتحطيم العائلة البطريركية. أما المبشر بانفيل الاميركي فيعطي في رسالته المؤرخة في 31 تموز 1933 الاثباتات التالية: " ... ومع ان الآشوريين الذين غادروا العراق مع عائلاتهم يمثلون (15000) نسمة فقط، فان الاف اخرى ما تزال بانتظار الانتهاء من الخدمة لمغادرة البلاد ايضا، وسيبقى على وجه التقريب لا اكثر من (5000) نسمة من مجموع (40000) آشوري في العراق.كانت القرى الى الشمال من الموصل قد اصبحت مهجورة وتركت حقول الرز للجفاف، وقطعان الاغنام على عاتق الخدم، بينما باعوا مقتنياتهم من حلي نسائهم بحيث يمكن القول ان هذا الخروج الثالث لهذه الامة منذ الحرب العالمية الاولى انما عام وشامل. ان اسباب الخروج الاخير هذا انما عديدة ..... كانوا قد بذلوا دماءهم من اجل عراق محايد عادل. وبرهنت الخبرات المريرة الطويلة من الماضي، استحالة الاستقرار بين اواسط الاكراد بدون تعديل خاص. وادركوا استحالة توقع أي مساعدة او تدخل عادل من حكومة مسلمة، وايقنوا عبر حادثة مالك ياقو الاخيرة عن صحة اعتقاداتهم تلك، وفي الواقع فان الحكومة العراقية كانت قد اكدت شكوكهم بما لايمكن الجدل فيها من خلال تسليحها الاكراد ضدهم بينما كانت تطالبهم بتسليم اسلحتهم قبل اي فئة اخرى.

كان السير فرانسيس قد وعد البطريرك بالمساعدة للحصول على بعض المطالب لشعبه فيما اذا مثل قضية شعبه امام عصبة الامم، واذ لم يتمكن من الحصول على اية امتيازات، فقد وعد مرة اخرى بمعاملتهم على النحو الذي يرضيهم. ولكن ما ان وصل الخبير بشؤون التوطين الى البلاد فسرعان ما وضع البطريرك على حدة، وأعلموه بعدم التدخل ... ولضمان ذلك فقد دعته الحكومة العراقية بالمجيء الى بغداد، وألقت القبض عليه ووضعته تحت الاقامة الجبرية. فاعاد هذا الاجراء الاخير الى ذاكرة الآشوريين القاء القبض المماثل في القسطنطينية على السيد هرمز شقيق البطريرك السابق واعدامه على ايدي الاتراك ...

وقامت الحكومة العراقية الى جانب ذلك، على تعيين خمسة قادة جدد من مختلف العشائر ومنحت معارضي البطريرك مراكزا مرموقة ورواتبا ضخمة، وتفضيل البروتستانت على الاخص، ووضعت المطران مار سركيس من عشيرة جيلو موضع ثقتها - حاليا على علاقة غير ودية مع البطريرك - . كما واتبعت الحكومة العراقية نفس المخطط في كافة القرى الاخرى. اما الذين كانوا على علاقة جيدة مع البطريرك فقد تلقوا الاهانات والتعبير والقاء القبض عليهم بدون سبب أو جريرة ما.

ودعت رؤساء القرى المرة بعد الاخرى وبمختلف الحجج والذرائع بالتحول عن البطريرك بينما وضعوا سكنه تحت المراقبة الدائمة وأنذر بعدم عقد أي اجتماع مهما كان نوعه. ولم يكن بمستطاع الآشوريين قبول أي قائد جديد وتعريض انفسهم لاستبداد همجي، كما ولم يكن بمقدورهم التخلي فجأة عن ولائهم للبطريرك ... أما الحكومة العراقية فقد جعلتها من الوضوح لهم أن مشروع دشتازي لن يسع الا لعدد محدود فقط، وان على البقية قبول الاوضاع في الاماكن التي كانوا فيها. وبدا الميجر تومسون الخبير بشؤون التوطين، منحازا نحو مخطط الحكومة العراقية. كانت مسألة الاستيطان الكبرى على النحو الذي تصورها الآشوريون، قد تدنت الى اكثر من نقل ما يقارب ستمئة عائلة من مكان الى آخر. أما التحامل يكفي انهم غير مرغوب بهم في العراق، وخلقت الصحف العربية من خلال نشرها المقالات الملتهبة ضدهمم، اجواء مشحونة بأعمق المشاعر العدائية بين السكان المحليين حيالهم. وتملكهم الهلع ازاء نشر الصحف الاميركية مقال المبشر كمبرلاند المعروف، وقيام الصحف العراقية على ترجمته ونشره، وانحياز المطران غراهام براون مطران اورشليم نحو سياسة الحكومة العراقية بدون تحفظ وادى كل ذلك ليشعر الآشوريون ان كنيستنا ايضا كانت تقف ضدهم. كانت هذه الاسباب، واسباب اخرى اكثر جدية ، قد ارغمت الاشوريين بالتحرك البائس لمغادرة العراق. اما البقية فستتبع الدفعة الاولى الى سوريا ما أن توافق فرنسا على قبولهم، وفي الحقيقة فانهم كانوا على استعداد بالتوجه منذ اوائل كانون الاول الماضي نحو ايران، الا انهم فضلوا وضع انفسهم تحت الحماية الفرنسية التي ما تزال تحتفظ اعتبارها بالمحافظة على حماية حقوق الاقليات المضطهدة في الشرق ... ومع ذلك فان هذه، ستكون كبوة اخرى للسياسة البريطانية في الشرق، والتي ستحكم عليها الايام القادمة بدون رحمة وتخلدها سجلات التاريخ الى الابد." أما المبشر (ار . سي . كمبرلاند) فقد كتب في رسالة سرية بتاريخ 26 آب 1933 موجهة الى الدكتور (سبير) قائلا: ان سجلاتي ليست معي هنا في بغداد (ولربما لن اجدهم مرة اخرى) لذلك لا استطيع القول عن تاريخ استلامي رسالتك الاخيرة.

ان اوضاعنا ليست بأفضل مما كانت عليها في السابق وما تزال وقف لمشيئة سكان بغداد الممانعين. يوم الاحد، السادس من هذا الشهر اعلمني الكولونيل ستافورد المفتش الاداري في الموصل هاتفيا بوجوب الذهاب الى الموصل مع زوجتي في الحال حيث فعلت ذلك اليوم ذاته ورجعت الى دهوك يوم الثلاثاء. ويوم الخميس 17 منه وردتني برقية عاجلة من السيد (بادو) يعلمني فيها بوجوب مغادرة الجميع الى بغداد عبر محطة الموصل وفي الحال بدون أي سؤال. ففعلنا ذلك جميعا ووصلنا بغداد مساء يوم الثامن عشر. انني المجرم في نظر ساسة العراق، أما وزير الخارجية فقد كتب الى رئيسنا الروحي السيد (كنابيشو) متذمرا عن نشاطاتي السياسية ومطالبا بطردي من دهوك. ... لربما استطيع الاضافة عن عجزهم من الاتيان بأدلة قاطعة عدا التهم المحدودة ... ويبدو لي بوضوح تام ان الحكومة العراقية لا تريد ان يوجد مراقب اجنبي في دهوك ... وليس من المدهش ان تكون رغبة الحكومة بذلك اخفاء الاوضاع الحالية القائمة هناك. انها مناظر في غاية البشاعة، ومرعبة بصورة مطلقة، وسأحاول جهدي لأهييء عودتي الى دهوك حالما يمكن ذلك. لربما سيكون من الافضل الآن لأكتب بالشمول الممكن عن الاوضاع القائمة قدر الامكان، اذ ان مراقبة البريد ليست الا من الامور الطبيعية الان، ولربما يجب ان اضبط نفسي عن الكتابة حول بعض الامور، كما سيكون من الافضل للرسائل الواردة من الولايات المتحدة، كتابتها بكل حذر وتحفظ. ومع ان هناك آخرون اكثر جدارة لتقديم صورة رسمية وافية عن الاحداث، الا ان مركزي منحني احدى أفضل الفرص النادرة لمراقبة بعض المشاهد الخاصة التي لم يرها الا القليلون. ويمكن جعلها قضية راسخة، وفي رأيي مع هذا، آخذين بعين الاعتبار، الحقائق السياسية، فان وقائع الاحداث الحالية كانت قادمة لا محالة. وما دامت هكذا، فانها الان فرصة مناسبة كأي وقت آخر، ولربما يمكن الآن كتابة فصل ممتع جداً، فيما اذا توفرت كافة المواد عن الوعود البريطانية الحقيقية والمفترضة للآشوريين. وعلى الرغم من تقديم أفضل الفرص للبطريرك ... الا أن مركز الآشوريين معكر حالياً بسبب الانتصار الملموس . الذي تحقق في (سميلي) من خلال التعصب الاسلامي والكراهية المتأججة لذبح الآشوريين الابرياء. اخيرا وعلى امل انقاذ القرويين من الابادة، فقد ذهب الكولونيل ستافورد الى القرية التي كان ما يزال ياقو موجودا فيها، ووعده شخصياً بالحماية التامة فيما اذا ذهب معه الى الموصل لتوقيع وثيقة عن التصرف السليم حيث كانت تتطلب تقديم كفالة مالية بمبلغ (200) ليرة جاء بها السيد (بانفيل) انني اؤمن بالرغم من نعت الصحف العراقية هؤلاء الآشوريين بالثوار، ان تلك النعوت غير صحيحة عنهم ... وأعرف بالتأكيد ان الكل، أو على وجه التقريب، كافة قرى الاشوريين في السهول منهوبة وبعضها خالي من نعمة الحياة. ان السرقة والنهب اجمالاً قام بها الاكراد والبدو في حين قام الجيش العراقي بأغلب حوادث القتل والابادة. ان مذبحة سميلي معروفة لديك، ولربما كان في القرية بضعة (ثوار) آنذاك، الا ان هؤلاء (الثوار) لم يكونوا سوى اولئك الذين عبروا الى سوريا ورجعوا منها.

كان الجميع قد حضروا بناء على اوامر الحكومة من كافة القرى المجاورة (لغاية) حمايتهم. وكانوا جميعا بدون اسلحة ومع ذلك فان الجيش العراقي فتح النيران عليهم في برودة تامة. ان مثل هذه البربرية الفائقة والتعصب المسعور، لا مثيل لها في التاريخ على الاطلاق. وبالاضافة الى هذه فانني لا أعرف كم من ابرياء دهوك ابعدوا عن منازلهم ولم يعرف عنهم شيئا حتى الان .. أما مذبحة سميلي والاحداث الاخرى المماثلة في المناطق المجاورة فقد اضافت بعدا آخر للاوضاع . كانت قد حطمت ثقةالاشوريين والاقليات الاخرى وعلى الاخص المسيحية الموالية منها بالحكومة العراقية.

يبدو ان الاعتبار الشخصي في خدمات الحكومة لتكوين ادارة مستقلة ،لاوجود له بتاتا. وللتأكيد، فاننا كأميريكان، لسنا في مركز يمكننا من البدء بالرجم اولا، الا ان الغاية الحقيقية ستبقى مادام الفساد في هذه البلاد شريعة أكثر مما هو استثناء بينما يفتقد الرأي العام ممن يملك قوة التأثير لتفقدها واستنكارها. ان المستقبل قاتم شديد الحلكة.ان اختيار الحكومة العراقية حاليا نكران الحقائق عن مذابح سيميلي، أقول وبكل أسف، غير مجدية ... واحدى اكثر الطبائع المخفية عن الاوضاع عامة ،لهي المشاعر المسعورة في الموصل على الاخص حيال الاشوريين عامة بغض النظر عن ولائهم أو عدمه تجاه الحكومة. ان عددا كبيرا من الاشوريين المستخدمين في شتى المجالات والاعمال المختلفة، طردوا من اعمالهم بدون أي سبب أو مبرر عدا كونهم اشوريين

وبرهنت سميلي عما يمكن ان يكون عليه تعصب الاسلام، وما يمكن للحكومة العديمة المسؤولية من القيام به. ليس بالامكان أن تصبح هذه الامور منسية عن قريب ...كما انها ليست من مشاكل بريطانيا الرئيسية حتما .أما عن الكيفية التي سيقوموا على حلها فليست لدي ادنى معرفة بها، الا انك ستستطيع الحصول عليها بالوسائل الاخرى عوضا عن مراسلاتي.

ولو كان الامر في أيدي الفئة الادارية والمستشارين الذين عرفتهم هنا لأمكن الوصول الى حل حكيم، الا ان القضية ستؤخذ الى لندن وجنيف حيث ينفقد مثل هذا التفهم والمعرفة المسبقة وحيث سيكون لفرنسا يد فيها ايضا بحكم علاقتها مع سوريا. وبالنسبة لفرنسا فانني لااثق بسياستها الاستعمارية جذريا، ان الطبيعة الحقيقية للاحداث الاخيرة ستصبح معروفة بالرغم من نكران العراق لها، وليس بالامكان التغاضي عنها كليا، كما ويجب استنكارها. انني لا اعتقد ان التدخل المسلح لن يكون له رد فعل معاكس لذاك المرغوب فيه في هذه البلاد، الا اذا تدخلت عصبة الامم، أو تعيينها دولة ما على استعداد للبدء في تشكيل ادارة اجنبية كاملة .ستعطيك رسالة السيد (بادو) الى الدكتور شامبرلين حقيقة شاملة عن القضية، وكما اعلم فقد كتب عنها السيد (ويلوباي) ايضا. كم كنت اتمنى لو منحتني الظروف فرصة الاحاطة بتقارير السيد بانفيل الى رؤسائه، ومع ذلك فانني اعتقد أن بامكانك التطلع عليها. انني انهي رسالتي هذه قبل بضعة دقائق من مغادرة الانسة ... البلاد آخذة معها هذه لتجنب رقابة البريد."وكتب انكليزي آخر بتاريخ 22 ايلول ما يلي :

"لاتملك الحكومة العربية في العراق أي حق لتنعت هذه الهجرة بالثورة، كما لاتملك أي تخويل من العصبة لفرض قرار الاستيطان من خلال مذابح أكثر من (3000) اشوري برئ. أما وقد وافقت العراق لسحب اتهاماتها ضد الفرنسيين في سوريا لمنع تحقيق عالمي في الامر وقررت بموافقة السفير الانكليزي لاخفاء الامور بالاعتذار للرسميين البريطانيين الذين تعرضوا للاهانة، وتحمل نفقات تهجير فئة محدودة من الاشوريين بينما عزموا على اسكات الغالبية بسبب تهجير ألف نسمة من البلاد، فقد صمموا على تصعيب الظروف لهم بأمل ارغام البقية بالمغادرة على نفقتهم الخاصة، أو القضاء التام التدريجي عليهم. من سيدافع عن حقوقهم في محكمة العدل عن الوسيلة التي حطمت العراق ضمانات عصبة الامم للأقليات؟ ان هذا الشعب ،هو نفسه الذي قاتل الى جانب الانكليز والامريكان والفرنسيين والايطاليين والبلجيكيين والروس معا وضحى بثلثي تعداده وفقدان موطنه ومن ثم ليصبح لاجئا مشردا من خمسة عشر سنة، وكرة بين اقدام السياسة العالمية. ان العالم بأسره ستتملكه الدهشة ويصيبه الهلع والرعب ما أن تنكشف الحقيقة عن أبعاد المذابح على هذا المقياس الهائل ." وفي تقرير احد الكلدان المعتمدين كتب بتاريخ 2 تشرين الاول ما يلي :لم يكف العرب ببقر احشاء نساء الاشوريين بالحراب وحسب، بل ووضعوا احشائهن على رؤوسهن وهن في تلك الحالة من الألام والعذاب. وقضوا على الاطفال الواحد تلو الأخر يلقون بهم في الهواء لتتلقفهم الحراب. في طريق العودة من الموصل، كان الجيش العراقي قد أخذ معه عددا كبيرا من الفتيات، اسيرات ولايعرف شيء عن مصيرهم حتى الأن ." بينما كان معسكر العداء ما يزال قائماً، ذهب انكليزي معروف لمقابلة السيد (كاميرون) رئيس تحرير (عراق تايمز) ليقدم الجانب الاخر من القضية بالنسبة للآشوريين. فأجابه رئيس التحرير: " ما زلت املك مدة عشرة سنوات عمل اخر في العراق، أتريد ان تقطع باب رزقي؟" واعلم السير فرانسيس احد الانكليز بأن المللك فيصل على استعداد لتقديم مبلغ 150 ليرة لمساعدة مؤسسته "فيما اذا أصم اذنيه". الا ان الانكليزي رفض قبض " النقود الملوثة بالدماء" وصرح في كتاباته الى لجنة الشؤون الخارجية للكنيسة الانكليكانية كما يلي: " ... كانوا قد استجابوا لدعوة الحلفاء خلال الحرب العالمية الاولى بدون تردد، اذ كانت مشيئتهم خلال حقب طويلة، العيش تحت ظل حكومة مسيحية. كانت الدعوة اصلاً قد وجهها الروس اولاً، ومن ثم الانكليز فيما بعد. اما المنافع الفائقة التي اغتنمناها من بسالتهم على كافة الجبهات ومقاومتهم المستمرة للاتراك والاكراد والفرس فانها تفوق التصور، المقاومة التي كلفتهم اعدادا لا تحصى من الضحايا ... وشجعنا مساعدتهم لنا من خلال الوعود العديدة التي قدمناها لهم بتعويض كل ما يفقدوه خلالها، وضمان حمايتهم على النحو الذي يتمنوه. وبما اننا في الحقيقة كنا بحاجة الى المساعدة، وكانت الوعود كفيلة بضمانها، فليس ثمة شك ألا نكون قد وعدناهم حينئذ بالوطن والحماية.

وليس بامكان القارئ المحايد الذي يقرأ نقاط جلسات عصبة الأمم والملفات الاخرى ،أن يتجنب الشعور بأن الجهود المبذولة لايجاد مسكن مستقر دائم لهم بالرغم من عددها الهائل، لم تلاحق بالالحاح والاخلاص الذي يتطلب تسديد ديون الشرق ...كان علينا استخدام اعداد أكبر من الجيوش في البلاد مما استخدمنا حقا ولمدة أطول من الزمن لولا مساعدتهم لنا وتسهيلهم اعمالنا بأقل كلفة مادية . من الصعوبة للاعتقاد - كائنا من كان وعلى معرفة بطبائع ساسة عرب العراق - أن يكون قد آمن بقيمة تلك الضمانات. ومن الصعب ايضا، في الجانب الاكثر شمولا، استيعاب قدرة ممثلينا في جنيف، للتعبير عن الثقة التامة بمؤهلات العراق للاستقلال التام وترك الاقليات على جانب ...قد يقال على سبيل الجدل، ان الكاتب من النادر ان يكون قد سمع المسؤولين الانكليز في العراق يتحدثون عن العراقيين وسلطاتهم في الحكومة عدا عن عدم الثقة المطلقة، وعدم الرضى حتى في شؤون الحراسة ...ان السيد (بانفيل) أكد لي من خلال معرفته بالمناطق الجبلية عن امكانية توطين تجمعات كبيرة، وأن مثل هذه التحضيرات ستلقى القبول ورضى البطريرك ...ان بقائهم كأمة وكنيسة على ماهم عليه الان مهدد بالزوال ومخطط من قبل الحكومة العراقية أما عن الاوامر بالهجرة الى سوريا فلم اسمع حتى الآن عن أي برهان قاطع عن كون تلك الاوامر قد صدرت من مقر البطريرك في بغداد بينما كان موضوعا تحت المراقبة الدائمة ومحاطا برجال المخابرات المدينة ليلا نهارا . واما الدليل الوحيد القاطع الذي سمعت به، لهي المحاولة التي قام بها أحد المسؤولين في الشرطة العراقية عن اشراك اشخاص مشبوهين للادلاء بالافادة عن شئ من هذا القبيل بحيث كانت ستؤدي بالشعب للاعتقاد حتما أن البطريرك هو الذي اصدر الامر. الا انها تسمو فوق أي شبهة ألا يكون بكر صدقي فعلا الذي أصدر الامر باطلاق النيران على الاثنى عشر آشوري بينما تدعي الحكومة العراقية بأن المذابح الجماعية لم تكن الا من أعمال القبائل الكردية.

وما دام الامر هكذا ...فلماذا دعوا كافة الانكليز والاميريكان الذين كانوا اما من المقيمين في تلك المناطق أو كانت مهامهم تأخذهم هناك، بالانسحاب منها وتحظيردخولها عليهم؟ لماذا انسحب المبشر الاميريكي السيد كمبرلاند من دهوك القريبة من سميلي ؟ لماذا ابعاد الكابتن (سارجون ) مستشار الشرطة الانكليزية من الموصل الى بغداد والذي كانت مهامه تأخذه الى كافة انحاء المنطقة ؟لماذا منع ضباط سلاح الطيران البريطاني وفي تلك المرحلة المتأخرة من تجاوز الموصل بعد ان توجهوا الى الشمال للاشراف على عمليات مساعدة عائلات المجندين الاشوريين؟ انها لاتدع أي مجال للشك عنحقيقة حدوثها، ولربما ماتزال قائمة في قرى الشمال حتى الآن بينما تحاول الحكومة العراقية اخفاءها بيأس. كانوا قد ابعدوا (7) من قادة الآشوريين من المنطقة الجبلية في الشمال الى مدينة الناصرية بالرغم أن القادة لم تكن تربطهم بالعائلة البطريركية اي صلة. وكما اعرف فان الحادثة لم يعلن عنها حتى الآن، ولا يعرف عنهم شيئاً. اما عودة الجيوش المنتصرة، فان الحكومة العراقية لم تدخر وسعا لجعلها عملا قومياً ودينياً مجيدا. كانت اقواس النصر قد اقيمت في الموصل، وتألقت بغداد بالاعلام واكاليل الزهور، وجعلوا من البطيخات المحفورة على شكل رؤوس ملونة بالاحمر ومرفوعة على رؤوس الحراب والخناجر لتمثل رؤوس الاشوريين، في كل مكان من الموصل بعد أن هيأت الصحف العراقية، الجموع العربية لهذه اللحظة المناسبة.

وأعيد تذكير الجموع العربية بأن القتلى اللآشوريون انما مسيحيون (كفار) لا أكثر. وتلاشى توقع أي رد فعل من جانب الحكومة العراقية حيال المذابح بعد منح بكر صدقي ترفيعاً، وضمان سنة أسبقية لكافة الضباط الذين قاموا بالحملة. وظهر مرسوم خاص بتقديم القهوة والحلاقة المجانية للعامة والخاصة خلال ثلاثة ايام ومن المتوقع أن تدفع الدولة تكاليفها.

ان علامات التحدي للعالم المتمدن ضمنا في الاستقبال الممجد العظيم للجيش المنتصر، ليست الوحيدة عن غايات ومرامي الحكومة العراقية في تشويه حقيقة المسألة بأجمعها من خلالها. ان شعورها بالذنب لسوء الحظ، جعلها تفقد الوعي المتزن اجمالا ... كما ولا تحمل تهاني بطريرك الكلدان المغتصبة بالعنف (والتي ادخلت بهذا الشكل الفاحش) أي وزن على الاطلاق. والأهم في هذا الخضم العاصف من التأكيدات المزعومة من المسيحيين العراقيين - غيرالآشوريين - ان يكون صوت المبعوث الانجيلي الفرنسي المقيم في الموصل، ساكتا وحتى في تقارير الدولة. ان الاقل الذي يؤمل به يكمن في احجام الحكومة البريطانية عن مساعدة الحكومة العراقية للتمهيد في تقليل هول الاحداث التي تبعث على الاسى خلال الاشهر الفائتة. على اية حال فان هناك عدد من الانكليز المقيمين في بغداد ممن يروا علائم عدم امتلاكنا الجرأة والشجاعة للاعتراف في جينيف بأن تصاريح السنة السابقة أمامها كانت حمراء قانية حقاً، واننا قد نحاول بشكل ما، تغطية جدية الاحداث التي تفرض علينا تنكب مسؤولياتها الخلقية فعلاً." في التقرير السري لأحد الشهود الانكليز في خدمة الحكومة العراقية كتب بعد ان رأى بأم عينه ما حدث قائلاً:

انني رأيت وسمعت الكثير من الاعمال المريعة المرعبة في الحرب، الا ان ما رأيت في سميلي فأنه يفوق تصور البشر." على هذه الكلمات يجب اضافة شهادة امريكي مقيم في الموصل" ان الاكراد والعرب الذين تلقي الحكومة العراقية على رقابهم مسؤولية قتل الآشوريين، كانوا قد انقذوا المئات من النساء والاطفال من براثن الجيش العراقي."صرح كل من جعفر العسكري وزير العراق في لندن ونوري السعيد الذين جاءوا من نفس الاصل والمحتد، حيال المذابح ما يلي: لم تقم اي مذبحة في اي جزء من العراق. اما نساء واطفال المتمردين واقاربهم لم يمسهم اي سوء بتاتاً." الا ان البعثة العراقية الى جينيف كانت قد اعترفت عن اقتراف بعض الاعمال المرعبة. فمن الكاذب يا ترى ؟ في مقال السيد (جي . اس . ام . وود) المنشور في (الديلي تلغراف) بتاريخ العاشر من تشرين الثاني 1933 جاء فيه ما يلي: "كنا نحن وليس الفرنسيون او الايطاليون الذين وعدوا الاشوريين بالاستقلال الذاتي والحماية شرط القيام بالثورة ضد الاتراك."علىالرغم من عدم ذكر فضل النساء الاشوريات خلال هذه الاشهر المؤلمة ،الا ان هذه الصفحات وبدون مبالغة مرغمة لتقديم الثناء للسيدة الوقرة (شيريني شماس داود /طال/زوجة السيد كورييه يونادو /تخوما الاوسط /لآعمالها خلال التجارب المريرة.كانت اخبار نفي البطريرك من العراق قد قابلتها الاوساط الاشورية في الموصل بالاستنكار. فقامت السيدة شيريني بقيادة مظاهرة أمام قيادة الشرطة العراقية الذين كانوا على حافة تطبيق (الامر الجبان) الذي اصدرته الحكومة العراقية، الا ان امر النفي كان قد اوقف حينها. واستمرت بقيادة المظاهرة حتى مقر القنصل الانكليزي ومن ثم القنصلية الفرنسية حيث اعربت لهم عن رغبات الشعب الاشوري. واذ بدأ اللاجئون بالتقاطر في الموصل من القرى المجاورة فقد سعت بكل طاقاتها لمساعدتهم. فقدمت لهم الثياب التي كانت في حوزتها ،واطعمتهم القليل الذي كانت تملكه، وخصصت وقتها لخياطة الملابس لهم وتمكنت خلال ثلاثة اشهر بمساعدة الخوري يوخنا من اطعام اربعين اشوري في الكنيسة من خلال استجداء الطعام لهم وجمع مايتيسر من النقود من شقيقاتها الاشوريات . اما ابنتها ريهاني فلم تكن تقل عنها اندفاعا في العمل العظيم، أوابنها يونادو كبرييل الطالب في الجامعة الاميريكية في بيروت الذي يحضر لنيل شهادة الدكتور في الجراحة. كان السيد زيا بيث مار شمعون - عم البطريرك -آخر رجل من العائلة البطريركية يغادر العراق بعد استلامه اوامر النفي من البلاد. ان على المؤرخين الحاليين، أو من المستقبل الذين يرغبون دراسة (الخيانة البريطانية ) او (بربرية عرب العراق) فما عليهم سوى دراسة المآساة الاشورية. ومع انني لم احصل حتى نهاية هذا التقرير، لائحة كاملة عن عدد ضحايا المذابح ، الا آن التقارير المنبثقة عن المصادر الانكليزية والاميريكية فتضع العدد بما يتجاوز الـ (3000) نسمة بكثير. التقرير (ك) يورد اسماء القرى الاشورية التي احرقت بعد صدور الاوامر الرسمية بايقاف المذابح وبعد آمد طويل من تدخل عصبة الامم المتوقع. ومع ان عددا كبيرا من النساء والاطفال لاقوا حتفهم وحتى بعد صدور الاوامر الرسمية بايقاف المذابح، الا ان الحصول على اسمائهم وتعدادهم الصحيح في فترة الرعب والاهوال هذه فانها احدى المستحيلات

 

 

Created by Osidesign Copyright © 2008 AGC Media. All Rights Reserved