السلطات العراقية تبقي المتحف الوطني مغلقا رغم التحسن الأمني وبعد مرور أكثر من خمس سنوات على الغزو الأميركي.
6.10.2008

كنوز تاريخية محبوسة خلف الجدران

سرجون الثاني لا يزال متواريا عن الانظار في بغداد


ميدل ايست اونلاين
بغداد - يظهر افريز بالمتحف الوطني بالعراق الملك الاشوري سرجون الثاني الذي حكم امبراطورية فيما يعد الآن شمال العراق وهو يقتحم متراسا فيما يكدس الجنود الرؤوس المقطوعة امامه.
ووقعت المنحوتات الحجرية الرائعة ذاتها -وهي من قصر حاكم نهب مدنا- فريسة للسارقين والمخربين بعد نحو 2700 عام عندما ترك الغزو الذي قادته الولايات المتحدة ضد العراق المتحف مفتوحا للسرقة دون رقيب.
وتراجع العنف في انحاء العراق الى ادنى مستوياته منذ اربعة اعوام في الاشهر الاخيرة وبدأت القطع الاثرية تعود تدريجيا اذ أعيدت نحو ستة الاف من 15 الف قطعة او نحو ذلك فقدت في ايام قليلة عام 2003.

لكن السلطات العراقية لن تجازف باعادة فتح المتحف حتى يستقر ويتوطد الامن.
وقالت اميرة عيدان مديرة دائرة الثقافة والاثار ومديرة المتاحف "دائما اقول الظرف الامني يلعب الدور الاساسي في فكرة اعادة افتتاح المتحف الوطني العراقي (..) لا يمكن المجازفة باعادة افتتاح المتحف في ظرف امني قلق. لا يمكن المجازفة مرة اخرى بعرض كنوز ما لدينا من قطع اثرية اذا لم تأتنا ضمانات بأن الوضع الامني مستقر في بغداد وفي المنطقة التي حول منطقة المتحف العراقي 100 في المئة".
وما أصبح العراق الآن كان موطنا لامبراطوريات شهدت فترات ازدهار وتدهور على مدى الاف السنين في ميزوبوتاميا وهي مهد لحضارة بين نهري دجلة والفرات.
ولا تزال احدى اكبر المجموعات العالمية من كنوز ميزوبوتاميا حبيسة الصناديق الى حد كبير منذ الغزو عندما اظهرت لقطات تلفزيونية عراقيين ينقلون في مركبات ما تقع عليه ايديهم.
وقالت عيدان "تعتبر جريمة ثقافية من افظع الجرائم التي مر بها القرن الحديث". وتولى الاميركيون حراسة وزارة النفط وتركوا المتحف دون حراسة. وكان رد وزير الدفاع الاميركي وقتها دونالد رامسفيلد "هذه الاشياء تحدث".

وحتى قبل عمليات النهب عام 2003 تعرضت المواقع التاريخية في انحاء العراق الى النهب مرارا. وجعلت عقوبات الامم المتحدة التي شلت البلاد والفقر المبالغ المالية التي يحصل عليها مهربو الاثار تتفوق على خطر القبض عليهم من جانب قوات الامن في عهد الرئيس العراقي الراحل صدام حسين.

وكنوع من التعويض على تراجع الامن في الماضي اصبح الدخول الى المتحف صعبا حاليا.
فقد مر مراسلو صحفيون بنقطتي تفتيش عند قيامهم بزيارة خاصة للمتحف الشهر الماضي بعد اسابيع من الطلبات الرسمية المضنية.
وخارج المتحف تختلط المدافع المغطاة بالنقوش والنصوص العربية بارض مكسوة بالعشب تتناثر فيها القمامة.
وكان المدخل الامامي المصمم على غرار احدى بوابات بابل القديمة مغلقا. ولاشهر بعد الغزو كانت واجهة المتحف تشتهر بوجود فتحة كبيرة ناجمة عن قذيفة دبابة اسفل نحت اشوري لرجال في مركبة حربية.

وفي الداخل لم يكن معروضا سوى القليل من المقتنيات والتي كان كثير منها مغطى بأكياس بلاستيكية يعلوها التراب. وتعطي الملصقات على الجدران ملمحا عن الكنوز الحبيسة في الاقبية.
ويظهر احداها خوذة ملك مزينة بالذهب بشكل رائع صنعت قبل 4400 عام. ويظهر ملصق اخر تاجا مرصعا بالورود الذهبية.
ومن المجوهرات الذهبية الفاتنة المخفية عن الانظار ايضا كنوز النمرود التي اكتشفت في شمال العراق. وتعتبر تلك الكنوز الى جانب مقبرة توت عنخ امون في مصر من اهم الاكتشافات الاثرية في القرن العشرين.
وقالت عيدان ان معظم الدول كانت متعاونة في اعادة الاثار المسروقة. وعددت جميع جيران العراق باستثناء ايران وتركيا.
واضافت "بعض الدول المجاورة الاخرى مع الاسف لم تبلغ الى الان عن حالات تهريب اثار او مسك مهربين على الرغم من المساحات الحدودية الشاسعة التي تربط بينهم".
ومن بين القطع الاثرية التي جرى استعادتها "الموناليزا" السومرية او سيدة الوركاء وهي عبارة عن رأس حجري لسيدة ترجع الى 5000 عام. وعثر عليها مدفونة في فناء ببغداد.
ومن بين اسباب استمرار غلق المتحف تجديده، فصالات العرض ومجموعها 17 صالة تضررت من سنوات الاهمال وبحاجة لكثير من العمل لاعدادها للاستخدام.
وترصد تلك الصالات تاريخ الانسان في المنطقة التي يوجد بها العراق الان بدءا من ازمنة ما قبل التاريخ مرورا بالحقب السومرية والبابلية والاشورية والتي افرزت حكاما وممالك ذكرت في القران والانجيل والتوراة.

وقالت عيدان ان اعادة اعمار المبنى أصبح جهدا دوليا، مضيفة أن العديد من الدول وبينها الولايات المتحدة تبرعت او تعهدت بتقديم الاموال والخبرة.
وكان فريق بحث ايطالي من اكبر الجهات التي قدمت اسهامات لاعادة المتحف الى سابق عهده.
ويعد جناح يضم الفن الاسلامي واخر مليء بجداريات ضخمة من قصر الملك الاشوري سرجون الثاني الصالتين الوحيدتين اللتين شارفتا على الاكتمال. لكن حتى في الصالة الاشورية يوجد بالسقف اثار اضرار ناجمة عن هطول الامطار.

واغلق المتحف لسنوات منذ عام 1980 بسبب الحروب العراقية مع الغرب وايران.
وقالت مريم رمزي وهي مرشدة سابقة بالمتحف فيما كانت تمر بالردهات الفارغة "افتقد عملي كثيرا كمرشدة اثرية (...) كان يأتي زوار من المدارس واجانب ايضا". واسترجعت تلك الذكريات وهي غارقة في دموعها عندما شاهدت اثار النهب.

واشارت الى مكان حيث كسر الناهبون احدى الجداريات التي تصور الملك سرجون الثاني ربما في محاولة لانتزاعها من على الحائط.
وبالقرب من افريز الملك يوجد رأس مقطوع اخر وهو نحت حجري ضخم فصله سارقون من تمثال في بقايا قصر الملك سرجون الثاني عام 1996.

والرأس البشري كان ملتصق في وقت من الاوقات بجسم ثور مجنح وهي رموز توضع عادة بشكل مزدوج في المداخل لصرف الشر وحماية الملوك الاشوريين وممتلكاتهم.
ويوجد الرأس الآن على الارض يشخص في السقف الذي يسرب المياه.
Created by Osidesign Copyright © 2008 AGC Media. All Rights Reserved