بين الحقائق و الواقع .. جريمة ترتكب بحق الشعب الآشوري

 

ادورد اوراها

 

سوف لن أتحدث في هذه السطور عن تفاصيل الجرائم من قتل و تهجير و صهر قومي, والتي يعيشها أبناء شعبنا الآشوري يوميا, فهذه الجرائم هي نتاج تراكمي لتصورات شوفينية تحملها أطراف تعادي الوجود الآشوري, بل وتعادي وجود الآخر المتمايز عنها قوميا أو دينيا أو طائفيا بغض النظر عن اسمه.

 

ما سأتناوله في هذه السطور القليلة هو جريمة اكبر ارتكبتها و ما تزال توغل فيها الفصائل الآشورية " أنا أتحفظ على تسميتها بالأحزاب" ارتكبتها من خلال تعاطيها مع الواقع و مفرداته بشكل يشوش على العقل الآشوري و يحجب عنه إمكانية رؤية فرص التغيير الايجابي و إمكانية إنتاج منظور فكري يتأطر فيه الواقع الراهن بإطار زمني يضعه في موقعه الصحيح بصفته مرحلة تتموضع بين الماضي والحقائق التاريخية من جهة, ومستقبل مرتجى و مأمول منه تحقيق الطموح المشروع بالحياة الحرة الكريمة و حرية القرار و تقرير المصير من جهة أخرى, مستقبل يحدّ من تداعيات الحاضر السلبية ويوقف انتشارها.

إن الفصائل الآشورية تتعاطى مع مفردة الواقع بأسلوب جعل منها عبئا على القضية الآشورية بشكل عام و ليس على تلك الفصائل وحسب, وذلك من خلال توسيع رقعة الواقع الراهن و مدها نحو المستقبل و نشر سلبياتها إلى الماضي متجاوزة بذلك مفردة الحقيقة و مدمجة إياها بـالواقع , في الوقت الذي تمثل فيه الحقيقة حجر الزاوية في أي مشروع نضالي تحرري لشعب مضطهد, وبذلك فقد نزعت هذه الفصائل عن العملية النضالية و عن وجودها هي نفسها المشروعية التاريخية و المبنية على حقائق متفاعلة مع الواقع القائم, و معيقة بذلك ديمومة العمل النضالي و تقدّمه, فنجد هذه الفصائل تبرر بسوء الواقع الراهن قصور أدائها و شللها تجاه صياغة مشروع قومي منتج لمعطيات ايجابية يتم توظيفها في مجريات العمل القومي, بدلا من الاستناد إلى الحقائق التاريخية والجغرافية وبناء عملية تفاعلية بين هذه الحقائق من جهة وبين مفردات الواقع الراهن من جهة أخرى, بهدف إنتاج تصور ايجابي للمستقبل وطرح إمكانية التغيير الايجابي والانتقال إلى مرحلة جديدة.

ان الفصائل الآشورية تستمد من الواقع الراهن ومن معطيات الحاضر السيئ مسببات الفشل و تؤبد هذا الواقع وتفرضه على الغد بدلا من تحجيمه, فكريا على اقل تقدير, وهي بذلك تسهم في خلق حالة من الإحباط المزمن في الذات الآشورية نتيجة زرعها ايمانا مزعوما بأبدية الواقع و الأخذ به كمسلّمة من مسلّمات الحياة التي يجب على شعبنا المسكين قبولها, كما قبلتها الفصائل السياسية من قبل.

ان قيام هذه الفصائل ببلورة هذه الرؤية يرجع كما أراه إلى حاجتها إلى الملحة لتبرير فشلها التاريخي في استنباط المشروع النهضوي اللازم لديمومة الزخم الثوري الذي تحفّز في مرحلة معينة و خبا بعد ذلك, هذا المشروع الذي تتجسد فيه حقائق التاريخ و الجغرافيا رصيدا و خزينا هوياتيا وحضاريا و شرعيا لمفردات الخطاب القومي, ويلعب فيه الحاضر و مفرداته السلبية الضاغطة و عناصره الهدامة التي تنخر الجسد الآشوري دور الحافز للتغيير نحو مستقبل مرجو, ويفترض أن تلعب فيه هذه الفصائل دور حلقة الوصل بين هذا المراحل الثلاث (الماضي متمثلا بحقائق التاريخ, والحاضر متمثلا بالواقع الراهن, و المستقبل متمثلا بالطموح المشروع) ومعبرا فيما بينها, و تلعب فيه أيضا دور العنصر التوعوي بمرحلة الواقع وضرورة التطلع نحو تجاوزه نحو ما هو أفضل وهذا ما عجزت تلك الفصائل عن القيام به, فخلطت بين الحقيقة من جهة و الواقع من جهة أخرى مرتكبة جريمة بحق الشعب الآشوري و عقليته, إذ حاولت قتل الرؤية الرصينة فيها و حجب المفاهيم و المعطيات الايجابية في المسيرة النضالية وتصفيتها لحساب المعطيات السلبية, وحكمت عليه بالعيش في الواقع الراهن السيئ إلى الأبد و فرضت هذا الواقع على مستقبله, إذ عجزت عن إدراك و تمييز الفواصل بين المراحل فجعلت من المستقبل في الذهن الآشوري نسخة عن الحاضر بكل سيئاته, وصادرت الحقائق و أهمها حقيقة وجود ماضي و حاضر و مستقبل.

إن هذه الفصائل مدعوة بحكم دورها الوظيفي, إذا أرادت لنفسها صفة الأحزاب إن تراجع موقفها وأن تصوغ معادلة جديدة تكون فيها أداة لتغيير الواقع بدل الخضوع له و توسيع رقعته إلى المستقبل, و أن تتبنى مفاهيم تقارب الغد مقاربة ثورية و ليس استسلامية, والثورية يقصد بها الاستناد إلى الحقائق وطرح خطاب تغييري جذري يستهدف الواقع بمفردات فكرية تبدأ باستيعاب حقائق التاريخ و الجغرافيا و إسقاطها على الواقع, ومن ثم التفاعل معه كأحد معطيات المعادلة و ليس هو المعادلة بأكملها, ومتى ما تمكنت من القيام بذلك ستستحق تسميتها بالأحزاب, لان الأحزاب وفي ضوء الظروف الخاصة التي يعيشها الشعب الآشوري وفي ضوء خصوصيته القومية, ينطبق عليها من حيث التعريف كونها أدوات للتغيير و إذا عجزت الفصائل الآشورية عن أن ترتقي إلى ذلك فلنقرأ عليها السلام.

 

 

 

Created by Osidesign Copyright © 2008 AGC Media. All Rights Reserved