قراءة في حقائق عن شمال العراق ..
ردا على ملا بختيار


ادورد اوراها
يبدو ان الفوضى التي تعم الساحة العراقية بمختلف توصيفاتها السياسية و الامنية و الاقتصادية و الاجتماعية و القيمية بلغت مبلغا اوصل البعض الى مراحل متقدمة من الانغماس في هذه الفوضى و محاولة ركوب موجتها و نجد ذلك متجليا باوضح صوره لدى القيادات الكردية التي وجدت في هذه البيئة الشاذة و المشوهة التي خيمت على العراق متنفسا لاحلامها المريضة و البعيدة عن الواقع و الحق و الحقيقة و اصول المعرفة الرصينة , فاطل علينا مؤخرا المدعو ملا بختيار معلنا للعالم المتحضر عموما و للعراقيين بشكل خاص ان ما يختزنونه من رصيد حضاري و هوياتي و معرفي وما عرفته الانسانية على مدى قرون هو مجرد وهم فطرح علينا مقولة مستندة الى منظومة قيمية و فكرية تستمد مفرداتها من شريعة الغاب التي تمثل بالنسبة للقيادات الكردية محيطا مثاليا لتزدهر فيه, فقال هذا الشخص ما نصه: " المعروف ان الشعوب لها الحق القانوني في اعلان اقليمها او دولتها اذا كان لديها ارض تاريخية وجغرافية, لكن التركمان و الكلدواشور ( هكذال وردت على لسانه) هم مقيمون في كر..... ولهم حق المواطنة الكاملة فيها , ولكن ليست لهم اي ارض تركمانية او كلدواشورية (حسب ما ورد) في كر..... والعراق" انتهى الاقتباس.

و هنا سارد على هذه الاكاذيب كآشوري و اترك للاخوة التركمان ان يردوا على هذه التخرصات , لثقتي بقدرتهم النابعة من انتمائهم و ايمانهم بعراقيتهم .
ان المتامل في دوافع هذا الشخص و الاسباب التي ادت به الى مثل هذه الاقاويل قد يفترض كون المدعو ملا بختيار جاهلا بحقائق التاريخ العراقي و الانساني و الواقع العراقي الجغرافي و السكاني و الديمغرافي, بل جهله بالف باء الانتماء الى العراق و في هذه الحالة ادعوه للبحث و التمحيص في حقيقة انتمائه فمن لا يعرف وطنا لا يمكن ان ينتمي اليه, كما ادعوه الى توسيع مداركه و مقاربة الواقع بطريقة اكثر علمية و في هذا السياق اتمنى ان تكون هذه المقالة ذات فائدة له و لامثاله ليتعلموا شيئا عن تاريخهم و عن تاريخ العراق.
ان من يبحث في اصل الاكراد الذين نزحوا الى بلاد اشور و احتلوها و نسبوها لانفسهم, سيلاقي صعوبات جمة في تحديد اصلهم و منابعهم , فمن ضمن ما قيل عنهم انهم قبائل نزحت من هضبة القفقاس (1), كما قيل ان البعض منهم تعود اصوله الى الجزيرة العربية مثل (البرزنجية) و(الطالبانية) و قد جاءوا الى المنطقة لاسباب دينية مثل الدعوة او التوعية و الارشاد الديني (2) . و لكن ما يمكن ان نقوله بثقة عن اصولهم و ما هو مثبت تاريخيا هو ان نزوح الاكراد الى العراق كان نتيجة لتحالفهم مع الدولة العثمانية التي استخدمتهم لمحاربة الصفويين, وكان لمعركة جالديران الاثر الحاسم في ظهور اعداد كبيرة من الاكراد في الوديان الواقعة شمال شرقي العراق على خط الحدود مع ايران و توطينهم في السليمانية (3).
ان القيادات الكردية تحاول و بكل طاقتها ان تزور تاريخ المنطقة و تغير صورتها من الناحية البشرية و التاريخية و تعمل على خلق تاريخ مزور غير موجود , وعن ذلك يقول الاستاذ الدكتور عمر ميران " يحاول البعض ان يقنع نفسه بحضارة كردية وهمية كانت في زمن من الازمنة" (4) و يضيف قائلا "باختصار ليس هناك طريقة شعرية متميزة , وليس هناك طراز معماري متميز, و ليس هناك لغة متكاملة, وليس هناك تراث شعبي تتميز به الاقوام الكردية." (5), وعند الحديث عن اللغة نجد ان من الجدير بالذكر ان لغة الاكراد كانت لغة محكية فقط ولم يكن لديهم حروف , بل انهم اقتبسوا حروفهم من لغات اخرى فنجدهم يستخدمون ثلاث ابجديات وهي اللاتينية في تركيا و العربية في العراق و ايران و الكيريلية في ارمينيا واذربيجان (7).
من هذه الاستشهادات يمكن ان نصل الى النتيجة المنطقية بان الاكراد هم وافدون على المنطقة و انهم عبارة عن مجتمعات بدائية بسيطة (8), وفدت الى العراق كحليف للدولة العثمانية لمحاربة الصفويين ومنذ ذلك الحين بدأوا بالتوسع على حساب اصحاب الارض الاصليين , وهم الاشوريون و اطلقوا على بلاد اشور تسمية (كر.....) (9), و هذا يقودنا الى الحديث عن مفردة (كر....) التي اوردها بختيار في حديثه و حمّلها معنى الدولة او على الاقل كيان معنى كيان سياسي ذو سيادة و مواطنون وهذا امر فرضته ظروف شاذة, فما الذي يمكن قوله عن هذه المفردة المشوهة التي تم اقحامها في اللغة السياسية العراقية.
لقد تم استخدام (كر....) لاول مرة في القرن الرابع عشر اثناء الحكم السلجوقي (10) وذلك سنة 1157م , حيث قام السلاجقة بتكوين مقاطعة محاذية لاذربيجان الايرانية تحت اسم (كر....) مركزها بهاء شمال غرب همذان (11) , و من ذلك يتضح لنا ان هذه تسمية غريبة عن الجسد العراقي , جغرافيا وسكانيا وقد فرضتها على العراق ظروف غير طبيعية و مصالح استعمارية و غير عراقية.
بعد ان اوضحنا و استعرضنا بعض الحقائق عن شمال العراق او بلاد اشور , هذه الحقائق التي تحاول بعض القيادات الكردية تغييبها او تحريفها فاننا سنورد بعض ما كتب عن آشورية المنطقة ليس من باب الدخول في نقاش حول هوية المنطقة , فهذا امر غير قابل للنقاش و ليس بحاجة للاثبات لان التاريخ و شواهده و الوثائق والمؤرخين والاف الكتب هي الاثبات , بل اننا نورد هذه الاستشهادات لعل المدعو بختيار و امثاله يستفيدون منها و يتمكنون من بناء هيكل معرفي قائم على المنطق و العلم لتجنب الاحراج الناجم عن الجهل الذي التي يعاني منه والمغالطات التي يلجأ اليها البعض من امثال بختيار و غيره, وليعلموا ان شمس الحقيقة و الحق و المنطق لا يحجبها غربال الاحلام المريضة و الاطماع و التزوير.
في سياق الوجود الاشوري و اصالتهم و انتمائهم التاريخي الى هذه الارض و احقيتهم بها يقول هنري لايارد " ان النساطرة و الكلدان هم السكان الاصليين للبلاد, اما البقية فغرباء" (13) , اما محمد امين زكي فيؤكد ان الاشوريين يعيشون في وطنهم هذا منذ خمسة و عشرون قرنا (14), اما سيدي الكوراني فيذكر ان ابناء القبائل الاشورية هم احفاد الاشوريين الذين بنوا نينوى (15), كما يؤكد الكاتب Etheridge ما سبق و اكده الاخرون فيقول" ان القبائل المستقلة كانت تعيش وسط اشور منذ حقبات تاريخية طويلةوكانو في حالة استقلال تام , وكانوا على الدوام في تصادم مع الاكراد الرحل" (16).
لن اطيل اكثر من هذا في هذا الموضوع لان ما كتب عنه تعجز مقالة واحدة عن استيعاب ولو جزء يسير منه, و ارجو ان يستفيد بختيار و امثاله مما ورد في هذه المقالة, هذا لو افترضنا انه قال ما قاله عن جهل فنكون قد قدمنا له بعض المعلومات التي نامل ان تعينه على فهم حقيقة انتمائه و حقيقة العراق.
اما اذا كان قد قال ذلك رغم علمه بما سبق و ذكرناه فنقول له ان مثل هذا الطرح المتعصب الاعمى هو السبب في ما يصل اليه العراق من اظطراب و احتقان و هو ما يهدد العراق وما يصعد من مخاطر التقسيم و ما سيوصل القيادات التي ينتمي اليها و يشاركها الاحلام المريضة الى عزلة سياسية و اقتصادية و انسانية تنعكس بدورها على الشعب الكردي الذي هو في جزء كبير منه بريء اعمال و تصريحات قياداته التي صارت سيفا مسلطا على رقاب ابناءه .
ان محاولات القيادات الكردية لفرض الامر الواقع المنحرف عن مسار العقل و المنطق و الحق , و الذي تستمد منه هذه القيادات معطيات تقسيمية و انفصالية و اقصائية سوف تؤدي في نهايتها الى طريق كردي مسدود و سوف تقود الى ازمات اقليمية و عراقية ناجمة عن محاولات فرض الاطماع الكردية على شعوب المنطقة و الشعب العراقي و هذه الشعوب لن تقف مكتوفة الايدي تجاه التجاوزات الكردية على ارثها و حقوقها ووجودها. كما ان عدم استناد القيادات الكردية على ارضية منطقية وعلمية من الناحية السياسية و التاريخية و البشرية في تنظيرها السياسي و تطبيقها العملي , هذه الارضية التي تعمل كمحور تتجمع حوله الولاءات , ان افتقاد القيدات الكردية الى هذه الارضية الجامعة واستنادها الى مصالح حزبية و فئوية و عشائرية و حتى عائلية هو احد عناصر التفكك و التناحر بينها و هو يمثل قنابل موقوتة قد تنفجر في اي لحظة, وهذا ما تجلى في المعارك الطاحنة التي دارت بين هذه القيادات في تسعينات القرن الماضي و التي راح ضحيتها الاف من الاكراد البسطاء
الماضي و
التي راح ضحيتها الاف من الاكراد البسطاء.
ان العمل السياسي يجب ان يستند الى حقائق و ليس الى اطماع لا يوجد ما يسندها و هذا ما يعانيه ملا بختيار و امثاله , فاتمنى منه و من كل من يعمل في الساحة السياسية العراقية ان يفكروا و يتمعنوا في ما يقولون و ما يصرحون به و في ادائهم لان التاريخ و العراقيين لن يسامحوا من يجرم بحقهم و حق العراق.
ملاحظة: استشهدت في هذه المقالات ببعض الكتاب و المؤرخين الاكراد فيكون بذلك قد شهد شاهد من اهلها.
المصادر
:
-
السريان و كر..... الكبرى , ص17 , سليم مطر.
-
مقالة للاستاذ الدكتور عمر ميران , جريدة الوطن 16 يناير 2006 , العدد 1935 ,
السنة السادسة .
-
هل للاكراد تاريخ في شمال العراق , خالد الجاف , شبكة البصرة.
-
مقالة للاستاذ الدكتور عمر ميران , جريدة الوطن 16 يناير 2006 , العدد 1935 ,
السنة السادسة.
-
نفس المصدر السابق.
-
نفس المصدر السابق.
-
اصل الاكراد , الجزء الثاني , د.حنان اخميس , موقع دنيا الوطن, 13 اوكتوبر 2004.
-
مقالة للاستاذ الدكتور عمر ميران , جريدة الوطن 16 يناير 2006 , العدد 1935 ,
السنة السادسة .
-
هل للاكراد تاريخ في شمال العراق , خالد الجاف , شبكة البصرة.
-
الاكراد و كر.... , عبد الرحمن قاسملو.
-
الاكراد و مكاردة شبه الحقيقة , الجزء الثاني , مقالة ليكدان نيسان.
- كتاب (النساطرة) , الدكتور A. Grant .
-
الاشوريون بعد سقوط نينوى , المجلد الخامس , ص 216 , هرمز ابونا.
-
نفس المصدر السابق ص218.
-
من عمان الى العمانية , ص155,164 ,204 , سيدي الكوراني .
-
الاشوريون بعد سقوط نينوى , المجلد الخامس , ص 222 , هرمز ابونا

Created by Osidesign Copyright © 2008 AGC Media. All Rights Reserved