ألآشوريون ضحية الإرهاب أم النظام الفكري العراقي  

ادور اوراها

إن الشعب العراقي بمجمله يعاني و يتألم في المرحلة الراهنة نتيجة وضع شاذ يمر به البلد كمحصلة لوضع سابق و سياسات سابقة اكثر شذوذا و لكن في خضم هذه المعاناة و الألم  تظهر واضحة للمراقب الموضوعي حالة استهداف شريحة معينة من العراقيين اكثر من غيرهم.. أي الآشوريين.


فقد تصاعدت ضدهم أعمال الاختطاف و الاغتيال بشكل هستيري حتى انهم صاروا يتعرضون للقتل بشكل جماعي بل حتى أطفالهم صاروا هدفا للقتل والأعذار جاهزة لدى منفذي الجرائم فالآشوريين تارة متعاونون مع القوات الأجنبية في العراق  رغم أن الكثير من العراقيين يعملون في تماس مباشر أو غير مباشر مع القوات المذكورة و هذه حقيقة واقعة فحتى الموظفين الإداريين في مؤسسات الدولة و دوائرها المختلفة كانوا إلى فترة قريبة تحت إدارة مستشارين أجانب منسبين من قبل القوات الأجنبية . و بالتالي فان أبناء العراق بمختلف انتماءاتهم القومية و الدينية كانوا متعاونين معها وكنتيجة فان البعض من الآشوريين كانوا ضمن هؤلاء الذين عملوا بتماس مع القوات الأجنبية و لكن نظرة بسيطة تبين إن هؤلاء الآشوريين كما هو حال الكثيرين غيرهم لا يصح تسميتهم بالمتعاونين إذ انهم كانوا يأتون في اسفل سلم المنتفعين من وجود القوات في العراق بل إن المنتفعين الحقيقيين و أصحاب رؤوس الأموال الموظفة لتوريد البضائع و الكثير من الحاجات و وسائل الراحة للقوات هم من التجار و أصحاب الثروات من غير الآشوريين , لكن الذي يحصل هو تعرض الآشوريين العاملين بأجور يومية من اجل لقمة العيش للقتل تحت شعار معاقبة المتعاونين في حين يستمر موردي وسائل الراحة ومقاولي و تجار زمن الاحتلال بمزاولة نشاطهم و جني أرباحهم تحت حماية انتماءاتهم القومية أو الدينية التي تبعدهم عن  قوائم المطلوبين لـ(مقاومي الاحتلال) لمجرد كونهم من شرائح متلائمة بطريقة أو بأخرى مع توجهات (المقاومين(.

و تارة أخرى هم مروجين للمشروبات الكحولية علما أن المتجول في شوارع بغداد يرى مروجي المشروبات الكحولية على أرصفة الشوارع من مختلف الأشكال و الانتماءات لكن المستهدفين هم الآشوريين فقط.  والله اعلم بما ستتفتق به عبقرية الإجرام لتسوغ سياسة القتل و الترهيب و ما أشبه اليوم بالأمس.
 
إن نظرة شاملة إلى الضحايا الآشوريين توضح أن الكثير منهم لا تندرج نشاطاتهم ضمن التصنيفين السابقين و هذه حقيقة مهمة لفهم السبب الحقيقي لما يحدث و الأمر المهم الثاني الذي يجب الانتباه إليه هو أن الأمر ليس وليد الأمس و اليوم و لا يعود بتاريخه إلى التاسع من نيسان من عام 2003 تاريخ احتلال العراق بل إن له جذور تضرب في أعماق الفكر العراقي و الأدلة على ذلك موجودة في تاريخ الدولة العراقية منذ نشوئها ,إن عمليات الإرهاب ضد الشعب الآشوري وجدت أرضا خصبة في فكر رافض لكل ما هو متمايز قوميا أو دينيا أو حتى لغويا و هذا الرفض يبحث عن ذرائع تبرره وتضفي عليه الشرعية بنظر متبنيه فقد كانت الفكرة السائدة عن الآشوريين إبان تأسيس العراق كدولة  هي ان ولائهم هو للإنكليز و ليس للعراق و طالما سيق مثال على ذلك وجود قوات الليفي الآشورية و طالما تم تناسي وجود قوات ليفي غير آشورية و متناسين كذلك كون السلطة العراقية كانت مرتبطة ارتباط مباشر بالإنكليز و هذا يبدو منسجما مع كيفية التعامل مع الحقائق في ظل نظام فكري يتبنى النظر إلى الأحداث من زاوية واحدة و نتج عن هذا الفكر  مرور الآشوريون بعمليات إبادة جماعية و تصفية على نحو ما يحصل الآن بل و بشكل أوسع و اكبر نطاقا, و مذابح سميل و صوريا وغيرها الكثير لا تزال شاخصة في الذاكرة الآشورية  و المشكلة تكمن في ان هذا الفكر حاضر على مستوى الشارع العراقي كما هو حاضر في النخب العراقية و ليس أدل على ذلك من صمت النخب السياسية و المثقفة العراقية ووسائل الإعلام المعبرة عن مواقف القوى السياسية صمتها عن هذا الاستهداف الواضح لأبناء العراق الاصلاء و الذي يعبر عن عدم وجود أي شعور بالمسؤولية تجاه هذا الجزء الأصيل من الشعب العراقي و هذا يعود  إلى انعدام الحس الوطني بمعناه الحقيقي لدى هذه النخب فهي في واقع الحال تخفي تحت رداء الوطنية رغبات و طموحات لا تتجاوز حدود القومية أو الدين أو الطائفة وفقا لتوجهها و تفسر الوطنية بشكل لا يبتعد كثيرا عن تفسير حزب البعث لها , فإذا كان العراقي بمفهوم البعث هو المخلص لمبادئ الحزب و الثورة فان العراقي بمفهوم كل واحدة من النخب العراقية هو المؤمن بالقيم التي تتبناها تلك النخبة و غير ذلك فهو حجر عثرة في طريقها للوصول إلى أهدافها (الوطنية(  ليس معنى ذلك اتهام هذه النخب بـ (بعثية الفكر)  و إنما تأشير وجود مشكلة يعاني منها الفكر السياسي العراقي تمتد إلى ابعد من البرامج السياسية التي تطرحها القوى العراقية ولم يتم تجاوز هذا المشكلة بل الذي حصل هو تأطير هذه المشكلة بأطر جديدة و إخفائها تحت أغطية جديدة و المشكلة هي الرغبة في إقصاء الآخر أو على اقل تقدير الرغبة في ضمان عدم وجود شريك فعال و إنما الانفراد بالقرار و الوجود الفعال على الساحة العراقية.

إن عقيدة رفض الآخر  تزخر بها عقول العراقيين ابتداء من رجل الشارع إلى رجل السياسة و المثقف و الإعلامي  رغم تغني المثقفين و السياسيين بان قوة المجتمع العراقي تكمن تركيبه الفسيفسائي إلا أن هذه الشعارات تضل طريقها و لا تصل إلى ارض التطبيق العملي والأمر هو ابعد من مجرد ترديد عبارات رنانة بل ينبغي أن ننتقل من مرحلة ترديد الشعارات إلى مرحلة التطبيق و لكن هذا يستلزم استئصال عقيدة رفض الآخر من جذورها و ذلك يتطلب أجيال تنشأ على أسس فكرية مغايرة لما موجود.
إن التعامل مع معاناة الآشوريين لا يصح أن يتم في سياق حوادث منفردة و منفصلة عن بعضها و عن سابقاتها و إنما التعامل يجب أن يكون على أساس الوعي بترابط هذه الحوادث و تواصلها منذ سنين طويلة و على أساس كونها نتائج لقضية اكبر, هي قضية شعب بلا حقوق , و محاولة إنهاء المعاناة الآشورية ينبغي أن تكون ضمن إطار البحث عن حل جذري لقضية الشعب بأكمله.
 
لقد صار الآشوريون أول ضحايا هذا الفكر و سوف لن يكونوا آخرهم و لكن الأمر الدقيق و الحرج في حالة الآشوريين هو أن هذا النمط من التفكير فعل فعله في وجودهم  وديموغرافيتهم لسنين طويلة و الأمر صار يتطلب معالجات سريعة و جذرية إذ صار الوجود الآشوري على ارض آشور (العراق) مهددا و العالم اجمع مطالب بدعم وجود هذا الشعب على أرضه و دعم مطالبته بحقوقه , لقد أثبتت التجربة الآشورية مع الأنظمة التي تعاقبت على السلطة إن التمايز القومي و الديني و اللغوي و الثقافي بشكل عام كان حافزا لتفعيل النمط الاقصائي من السلوك تجاه الآشوريين و هذا التمايز سيبقى قائما مادام الآشوري آشوريا ,لذلك فان التغاضي عن الحقيقة و تجاهلها لن يقود إلا إلى استمرار معاناة هذا الشعب و الحل ليس في تبني الخطاب الرنان و العمل بإطار مغاير عن فحوى ذلك الخطاب كما يحصل  الآن بل الحل هو في إحقاق حق الآشوريين كما أقرته لهم الشرعية الدولية و منحهم حق الحكم الذاتي  وبالشكل الذي يضمن لهم حياة حرة كريمة على أرضهم أما غير ذلك فهو عودة إلى الوراء إلى الوقت الذي صار فيه إعلان الآشوري لحقيقة انتمائه تهمة يعاقب عليها القانون ,إن المسألة هي مسألة بقاء شعب و العالم اجمع مسؤول عن ذلك .
 

Created by Osidesign Copyright © 2008 AGC Media. All Rights Reserved