نحو مشروع قومي


ادورد اوراها

إن ما آل ويؤول إليه الوضع الآشوري لا يسر أبناء الأمة الآشورية ولا أي متابع يتمتع بالموضوعية في تقييمه للوضع العراقي العام, إذ أن ما توإلى من أحداث ومستجدات افرز مكاسب لشرائح من الشعب العراقي من جانب ومن جانب آخر افرز خيبات أمل وضربات لطموحات بعض الشرائح ومن المؤلم أن تكون الأخيرة في الغالب من نصيب الآشوريين. ورغم إن ذلك يعود في جانب كبير منه إلى عوامل موضوعية تستوطن البيئة السياسية والاجتماعية العراقية بشكل عام إلا أن هناك عوامل أخرى لا يجوز أن نتغافل عنها تكمن في الأمة الآشورية وقد تعود في جذورها إلى محفزات خارجية لكنها نمت وتراكمت في الذات الآشورية فخلقت حالة من الضبابية التي تحول بين الآشوريين وبين تحديد أهدافهم القومية والسير نحوها بخطى ثابتة.

بعد انهيار الكيان السياسي للآشوريين بكل ما كان يعبر عنه هذا الكيان من منظومة فكرية وعلى اثر دخولا المسيحية إلى بلاد وبعد أن اعتنقها أبناء هذه البلاد فقد بدأت أولى مراحل التأزم حيث إن الديانة الجديدة أملت متطلبات حيوية لبقائها ونموها في المنطقة تمثلت بضرورة إزالة واستئصال مقومات العقيدة الآشورية بشكلها المتمايز وفي بعض الأحيان تطويعها وصهرها لإخراجها بشكل جديد مندمج في الفكر الجديد وتبدو مستولدة منه وهنا بدأت الفجوة في الظهور بين حقيقة الانتماء الآشوري وبين القاعدة التي يقوم عليها هذا الانتماء, مضافا إلى ذلك عوامل القهر التي انصبت على الآشوريين وكل ذلك ساهم في إضعاف الروابط بين الذات الآشورية وبين منظومة الأفكار والبناء العقائدي الذي كانت على الدوام قائمة عليه لكن هذه الروابط لم تنقطع بشكل نهائي ولكنها صارت مقتصرة على ارتباط عاطفي بماضي مجيد و شعور مبهم بالانتماء إليه دون توظيفه من اجل استنهاض فكر قومي معاصر, ومع مرور الزمن وبتراكم هذه العوامل وتفاعلها تغيرت ملامح الذات الآشورية, فمن بعد أن كان هناك بناء فكري آشوري مرتبط بكيان سياسي قوي صار الأمر مختلفا عن كل ذلك فنجد إنها صارت تفتقر إلى ما يرسم أسلوب التعامل مع المحيط بشكل يتلاءم مع متطلبات الوجود القومي الآشوري الفاعل والمؤثر في المحيط, وفي مقابل ذلك نشأت مشاريع فكرية وعقائدية ضغطت على الوجود القومي الآشوري بشكل مستمر وقلصت مساحته وعملت على إضعافه وحاولت القضاء عليه ويمثل انطلاق الإسلام من الجزيرة العربية إلى ما يحيطها وبضمنه العراق احد العوامل الهامة في هذا المضمار فقد غير من الخارطة البشرية للعراق بشكل أساسي وجوهري لصالح العنصر العربي نتيجة الضغوط التي وقعت على الآشوريين لكونهم مسيحيين وما تلا ذلك من موجات الغزو التي تعرضت لها البلاد والتي كانت سياسة ابادة أهل البلاد نهجها على الدوام وصولا إلى بدايات القرن الماضي الذي شهد تطور الفكر القومي العربي وتبلوره بمعونة ظروف وأطراف معينة دفعت بعجلة نموه تمثلت بدعم الثورة العربية من بعض أطراف الحرب العالمية الأولى ولعوامل مصلحية صبت في خانة مكاسبهم و هذه الثورة شكلت قاعدة لإنشاء دول عربية وبضمنها العراق حيث تأسست فيه دولة عربية, و ذلك أسس لفكر قومي عروبي في العراق و تحالف هذا الفكر مع تيارات أخرى وعمل على محاولة إنهاء الوجود الآشوري البشري والسياسي , وتمثل مذبحة سميل مثالا على توافق التيار العروبي مع مصالح المشروع الكردي على أساس إن العرب نظروا إلى الآشوريين كعقبة في وجه عروبة العراق و إن الأكراد نظروا إلى الآشوريين على إنهم عقبة في وجه توسع رقعة وجوده وامتلاكهم لوطن.

وتم تسويق المذبحة إلى العراقيين على أنها نصر ضد تيارات معادية للعراق, وكانت هذه المذبحة وتداعياتها النفسية والاجتماعية والسياسية ضربة قوية للقضية الآشورية وللمسيرة القومية الآشورية.

تلى ذلك تبلور التيار القومي الكردي الذي ساهم في صياغته بالشكل الذي هو عليه العمل المسلح و الذي دُعم من أطراف خارجية.

ورغم كل ذلك فقد بدأت تبرز بواكير نهضة قومية آشورية من جديد بعد سنوات متمثلة بوجود أفكار تنظيمية بدأت تتبلور وأخذت مسارها نحو تشكيل أحزاب مرورا بالعمل السري.

إن ظهور الأحزاب يفترض أن يكون نقطة متقدمة في مسار العمل القومي ولكن ظهور هذه الأحزاب على الساحة الآشورية وانتقالها إلى العلنية سواء في بلا آشور – شمال العراق – أي قبل 9/4/2003 أو بعد سقوط النظام البعثي بعد 9/4/2003 اظهر صورة مختلفة فقد اتضح عجز هذه الأحزاب وضعفها على كلا المستويين السياسي و الجماهيري الشعبي ضمن النطاق الآشوري الذي يمثل عمقها الحيوي ولم تفلح في تطوير مكاسبها التي اقتصرت على تعاطف آشوري لم يتعدى التعلق العاطفي بشعارات الماضي المجيد التي رفعتها هذه الأحزاب ولم يصل إلى مستوى الوعي بنهج قومي وولاء لثوابت واضحة في برامج تلك الأحزاب.

لقد تحملت هذه الأحزاب ومن خلال عجزها هذا نتيجة سنين طويلة من غياب أو تغييب المنظومة الفكرية والعقائدية أو ضبابية الرؤية الشعبية والنخبوية الآشورية لعناصر هذه المنظومة , فقد تسابقت الأحزاب إلى الساحة السياسية قافزة على مرحلة هي الأهم والأكثر جوهرية في العمل القومي الذي أخذت على عاتقها القيام به فقد أغفلت مرحلة العمل الفكري وإعادة بناء المنظومة الفكرية والعقائدية التي ترسم خطوط العمل القومي وأهملت الجهد التنظيري و الذي من خلال نشر نتاجه عبر قنوات هذه الأحزاب إلى القواعد كان سيحقق التلاحم بين القيادة والقاعدة أي بين النخبة السياسية و الجماهير وفق أسس عقلانية قبل أن تكون عاطفية كما هو الحال الآن وكان سيجنب العمل القومي الآشوري حالة الجمود التي يعانيها عند مرحلة المراهقة السياسية المتجسدة برفع الشعارات والتغني بها والاستمرار بالدوران في حلقة الماضي والعودة بالحاضر إلى الماضي بدلا من استحضار معطيات النهوض من الماضي إلى الحاضر وصياغة إطار فكري قومي عام يوجه طاقات الأمة ونضال أبنائها و من أهم ما يمكن أن يتحقق من إنتاج هذا الإطار الفكري هو كونه سيشكل أرضية مشتركة لأي عمل قومي مهما تنوعت عناوين القائمين به من الأحزاب ومهما اختلفت مسالكها, وبالتالي فان هذه الأحزاب وان اختلفت في الجزئيات ستكون دوما مستندة إلى أرضية واحدة وهذا ما نفتقده في أحزابنا والذي انعكس على عموم أبناء الأمة بشكل عدم ثقة بالمسار القومي واحباطات وشكوك لدى العامة من الآشوريين نتيجة للصراعات بين النخب السياسية متمثلة بالأحزاب. فالأحزاب تقف على أطراف متناقضة ولا يوجد بينها نقاط التقاء ومفتقرة إلى ثوابت قومية جامعة.

إن العمل القومي المثمر يتطلب أن تتم إعادة إحياء مفردات الفكر القومي والعقيدة الآشورية لتكون عقيدة قومية ولا يمكن الاستغناء عن ذلك بنهج سياسي فقط, وهذه العملية تتطلب جهودا جبارة من النخب المثقفة لصياغة الخطاب الآشوري الواضح والمستند إلى قاعدة فكرية رصينة تتكامل فيها العناصر التاريخية مع الواقع الراهن ومتغيراته , فالأمة بحاجة لمشروع فكري قومي يستجمع طاقاتها ويحدد لأبنائها ثوابتهم ومساراتهم وتلك هي مسؤولية المثقفين.


 

 

Created by Osidesign Copyright © 2008 AGC Media. All Rights Reserved