![]() |
||||||
|---|---|---|---|---|---|---|
| Home | English | بيانات المؤتمر | ܐܫܘܪܝܐ | اتصل بنا | جريدة آشوريون | |
مجرد قرفصائي بنت خابور كان جالساً على ضفةِ النهرِ ، لم يكن يحلمُ
بشيء قط ، بل ظلَّ يرمق سرير الخابور بنظراتٍ تمتزج تارةً بالحسرة و بالذكريات
تارةً أخرى . كان يجلسُ القرفصاء ــ على ما أذكر ــ واضعاً خدّه ما بين يديه و
ترتكز الأكواع على الركب . أتراهٌ كان يسألُ عمَّنْ سرق منه الحلم ؟!! . لا اعتقد
ذلك ، لأن الأحلام مثل الأوبئة غير مسموح بها صحّياً . فهي تقود الإنسان إلى عالم
الرؤية و الرؤية إلى النبوءة و النبوءةُ إلى القبر ، مثلما حدث مع جميع الأنبياء .
لذلك تمَّ بالتأكيد استبعاد مسألة الحلم في اللوحة الخابورية . و لطالما أنَّ
النظرات كانت تمتزج في بريقها بالحسرة و الذكريات، فلقد تأكدنا تماماً أن تلك
الجلسة لم تكن لتقودنا إلا إلى عالمٍ ملئه الانكسارات عبر وقفةً واحدة مع الزمن و
مع الذات . ملايينُ البصماتِ كانت أثارُها واضحةً على الطين ، أقدامٍ مختلفةٌ ، منها الصغيرة و منها الكبيرة و البعضُ منها للحيونات الأليفة ، و هنا أدعوكم لأن تتصوّروا أنَّ أثار أقدامها كانت واضحةً لأنها رفضت الرحيل عن الضفاف . و أذكر هنا قاب قوسين (أنَّ بعض أثار الأقدام كانت حزينةً لأنَّ أصحابها هم الآن من الخارجين عن الضفاف، ولا أدري فلربما ستلحق بحزنها أثار أقدامي ) ... معذرةً أعودُ ثانية إلى ذلك القرفصائي في محاولةٍ يائسةٍ منّي ، للغوصِ في أعماقه الساكنةِ تماماً كقاعِ المحيطات ، أيُّ تسونامي سيساعدني في مهمتي هذه . إنني الآن على بُعدِ خطوةٍ واحدةٍ منه . اقنربتُ أكثر ..لامستُهُ .. و بلمحةٍ من البرق أخترقتُ شرايينهُ .. خلاياهُ .. تفاصيل دماغهِ .. و حينما اختفى البرقُ ساد الظلامُ ، بضعُ اختلاجاتٍ ساورتني و كأنني في زنزانةٍ لذاكرةٍ متعبة .. و متاهات للقهر و اليأس . رويداً ... رويداً تملّكتُ حاسة النظر في عينيه.. تقمّصتُ احاسيسها، غمرتني الدهشةُ . لم أعدْ أرى نهر الخابور . أين أثارُ الأقدامِ بأكملها ؟. ما هذه الصحراء التي أقف على حدودها و السرابُ يخدعني حتى الثُمالة .. مَنْ هذه المرأة المُنهكَة والمستلقيه أمامي كجثة هامدة ؟... مَنْ مرّغ وجهها بالطين ؟ مَنْ كَبَتَ الأنين في مساحاتِ جروحها ؟ مَنْ مزّق رداها الأبيض ؟ مَنْ عرّاها ؟ مَنْ ..............مَنْ اغتصبها ؟.... آهٍ .. أُحسُّ بدوارٍ عميق كأنني فريسةٌ بين أحضان المحيطات . تمالكتُ نفسي قليلاً ، لا أُنكر أنني حاولت الخروج مرات عديدة لكّن رائحة الدم الذي كان يعجُّ في رحابِ المكان شدّني بقوةٍ نحو المرأة ، أحسست أنها أمي . لقد أفتقدتها قرون طوال ، لم أعد أذكر شكلها ، لكنّ احساسي يقودني دون أدنى تفكير بأنها المشيمية التي أثلجت روحي و أعطتني رمز الحياة .. صرختُ صرخةً أشبه بصرخة طروادة . أمي ... أمي .. إن حبل السرّةِ يقودني
إليك منذ الملايين من السنين . لم أكن أراكِ ... ، فأنا فقدتُ البصيرة منذُ أن
هجرتني نينوى و قاست بيَّ المتاعبُ في أحضان بابل . ما كنتُ لأرى فيكِ الحقيقة
لولا هذا القرفصائي ، الذي حمّلني ما تحمّل من القسوة وهو جالسٌ في هذا المكان يتأمّلكِ
منذ فجر التاريخ . لا أحدَ يُحسُّ بغربتة ... بوحدته .. غيرُ االمنفييين فوق تلال
الظلام . ألآن أُعلن أمامكم بأنني وليدةُ المخاض الأول
من جسد القرفصائي . |
||||||
| Created by Osidesign Copyright © 2008-2009 AGC Media. All Rights Reserved | ||||||